بل إن المصلح بين الخصمين منهي عن الصدق إذا كان صدقه يشعل نار الفتنة بينهما، ويزيد فرقتهما. والذي ينقل الكلام بين الناس على وجه الإفساد يسمى نماما ولو كان صادقا فيما ينقل، والنميمة من كبائر الذنوب، ولا يدخل الجنة نمام كما جاء في الحديث المتفق عليه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلربما نُهِي المصلح عن الصدق إن كان يضر بمهمته كمصلح بين خصمين، ويُرَخَّصُ له في الكذب إن كان الكذب يؤدي إلى إصلاح ذات البين، وفي هذا المعنى يقول ابن بابويه رحمه الله تعالى (إن الله تعالى أحب الكذب في الإصلاح، وأبغض الصدق في الإفساد) .
والمتصدي لفض الخصومات، وقطع النزاعات، والإصلاح بين الناس قد يحتاج إلى مال ليدفعه تعويضا أو دية أو إرضاء لأحد الخصمين، فيغرم بسبب ذلك من ماله، فأبيح له أن يأخذ ما غرم من الزكاة؛ إذ إن من أهل الزكاة المنصوص عليهم في كتاب الله تعالى: الغارمين، سواء غرموا لِحَظِ أنفسهم أم لحق غيرهم.
إن الإصلاح بين المتخاصمين مهمة جليلة قد فرط فيها كثير من الناس مع قدرتهم عليها، وكثير من الخصومات تكون أسبابها تافهة، وإزالتها يسيرة، وقد توجد رغبة الصلح عند كلا الخصمين، ولكن تمنعهما الأنفة والعزة من التنازل مباشرة، أو المبادرة إلى الصلح بلا وسيط، فإذا ما جاء الوسيط سهل الإصلاح بينهما؛ لرغبة كل واحد منهما في ذلك، فينال الوسيط أجرا عظيما على عمل قليل، ويؤلف بين قلبين متنافرين. وما من أسرة أو قبيلة بين بعض رجالها خلاف وقطيعة إلا وفيها رجال عقلاء يستطيعون السعي في إزالة الخلاف والقطيعة، ولكن التقصير والغفلة تحول دون ذلك.