وقد يحتاج المصلح إلى بعض الكذب ليُقَرِّب بين المتخاصمين، ويزيل ما بينهما من الضغينة، ويهيئ قلبيهما لقبول الصلح والعفو؛ وذلك كأن يخبر أحد الخصمين بأن صاحبه لا يذكره إلا بخير، وأنه متشوف لمصالحته، حريص على قربه ومودته مع عدم حقيقة ذلك، أو يسأله أحد الخصمين إن كان خصمه ذكره بسوء عنده فينفي ذلك مع وقوعه منه، وما قَصَدَ بكذبه إلا إطفاء نار الخصومة، وإزالة أسباب الشحناء، فَرُخِّص له في ذلك مع قبح الكذب، وعموم المنع منه؛ كما جاء في حديث أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فَيَنْمِي خيرا أو يقول خيرا) متفق عليه.
وقال نعيم بن حماد: ( قلت لسفيان بن عيينة: أرأيت الرجل يعتذر إليَّ من الشيء عسى أن يكون قد فعله ويحرف فيه القول ليرضيه، أعليه فيه حرج؟ قال: لا، ألم تسمع قوله(ليس بكاذب من قال خيرا أو أصلح بين الناس) وقد قال الله عز وجل {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء:114] فإصلاحه فيما بينه وبين الناس أفضل إذا فعل ذلك لله وكراهةِ أذى المسلمين، وهو أولى به من أن يتعرض لعداوة صاحبه وبغضته؛ فإن البغضة حالقة الدين، قلت: أليس من قال ما لم يكن فقد كذب، قال: لا، إنما الكاذب الآثم، فأما المأجور فلا، ألم تسمع إلى قول إبراهيم عليه السلام {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصَّفات:89] و {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء:63] وقال يوسف لإخوته {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} [يوسف:70] وما سرقوا وما أَثِمَ يوسف؛ لأنه لم يرد إلا خيرا، قال الله عز وجل {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} [يوسف:76] ، وقال الملكان لداود عليه السلام {خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ} [ص:22] ولم يكونا خصمين وإنما أرادا الخير والمعنى الحسن).