لم أنقطع عن هذه الدورات العلميَّة الصيفيَّة ستَّ سنين متتالية، وكانت دروسُ الشيخ فيها أحبَّ الدروس إلي؛ لما فيها من فوائدَ علميَّة، ونصائحَ تربويَّة. قرأنا عليه فيها غيرَ كتاب من كتب مصطلح الحديث، وبحقٍّ لقد بهَرَنا الشيخ بقوَّة حفظه وحُضور ذهنه، وبخاصَّة حفظُه لمتون الأحاديث، ولوَفَيات رواة السنَّة. وقد حبَّب إلينا في دروس الفقه العملَ بالحديث الصحيح، وعدمَ التعصُّب لاجتهادات الفُقَهاء المخالفة للأدلَّة الصحيحَة الصريحَة، وكذلك وجَّه أنظارنا إلى أهميَّة علم المصطَلح، الذي يعدُّ السبيلَ لتمييز السنَّة النبويَّة، ومعرفة صَحيحها من سَقيمها.
توثَّقَت صلَتي بالشيخ مع الأيام، وازددتُ منه قربًا، وما كنت أشعرُ معه إلا أنني مع أبي الرحيم الشفيق، وما أكثرَ ما كنت أرتادُ مكتبتَه العامرةَ التي فتح أبوابَها لتكون مثابةً لطلاب العلم، أبحثُ في كتبها عن بعض المسائل الشرعيَّة، أقضي فيها ساعات، من بعد صلاة العصر إلى صلاة العشاء، أسأله عن كلِّ ما يَعرض لي من مسائلَ تعتاصُ علي، وأنتفعُ بما يجيب به سائليه من ضُيوف وطلاب علم ومُستَفتين.
ومع اغترابي في السنوات الأخيرَة عن الشام، لم أنقطع عن شيخنا المفضال، فقد كان من أوَّل من أسعى إلى لقائه في زياراتي لدمشق، وكذا كنتُ أحرِصُ كلَّ الحرص على لقائه كلَّما زار الرياض.
جُمهور سيرته العَطرَة
أَرومَتُه واسمُه:
ترجعُ أصول شيخنا إلى يوغسلافيا من بلاد البُلقان، فقد ولد في قرية (فريلا/ vrela) من إقليم كوسوفا، سنة 1347هـ الموافق سنة 1928م، وسمَّاه أبوه باسم: قَدْري، غير أنه أطلق على نفسه في أوائل شبابه اسم: عبد القادر الأرناؤوط، وبه اشتُهر بين الناس، وهو الاسمُ الذي يثبتُه على أغلفة كتبه وتحقيقاته، غير أن اسمَه بقي في الأوراق الرسمية: قَدْري بن صُوقَل الأرناؤوط، أما نسبُه العالي فهو: قَدْري بن صُوقَل بن عَبْدول بن سِنان بْلاكاي الأرناؤوط.