إن المشكلةَ تكمن في أنه ما دام الحذاءُ ضيقا، فلا تنتظرْ من هؤلاء لا تفكيرًا في انتماء، ولا في ولاء، ولا في عطاء، ولا في زيادة إنتاج، ولا في دفاع عن مقدسات، ولا في تطبيق سياسات، ولا تفاعل مع توجهات المجتمع، ولا، ولا إلى آخر هذه المعاني السامية التي يعدونها -من وجهة نظرهم- مجردَ شعارات، أو على أقل تقدير (كلام فاضي) . فإذا أردت أن تجعلني أشعرُ بالعالم من حولي، وأتفاعل مع قضاياه، وهمومه، ومشاكله، فخَلِّصني أولًا من حذائي الضيق، وبعدها اطلُب منى ما تشاء.
ودعنا ننتقل معا -أنا وأنت- إلي القرن الثالث الهجري، ونتوجه سريعًا إلى بغداد، وبالتحديد إلى قصر المأمون (170هـ: 218هـ) ، في اليوم الذي كان فيه ينظر من شرفة قصره، فرأى رجلا قائمًا وبيده فحمةُ يكتب بها على حائط قصره. فنادى المأمونُ خادمَه، وطلب منه أن يأتي بالرجل، ولينظر ماذا كتب. فبادر الخادمُ إلى الرجل مسرعًا، فقبض عليه، ونظر إلي ما كتبه، فإذا ما كتب على الجدار: بيتان من الشعر فيهما يتمنى خرابَ قصر المأمون العامر.
ولما علم المأمونُ بما كتبه الرجل، سأله عما دفعه لكتابة ما كتب، وتمني ما تمنى. فقال له الرجل: يا أمير المؤمنين، لا يخفى عليك ما حواه قصرُك من خزائن الأموال، والحلي، والطعام، والشراب، والفرش، والأواني، والأمتعة، والجواري، والخدم، وغير ذلك مما يقصُرُ عنه وصفي، ويعجز فهمي. وإني يا أمير المؤمنين مررتُ على قصرك وأنا في غاية الجوع والفاقة. فوقفتُ مفكرًا في أمري، وقلتُ في نفسي: هذا القصر عامر عال، وأنا جائع، ولا فائدة لي فيه، فلو كان خرابًا ومررتُ به لم أعدَم منه رخامة، أو خشبة، أو مسمارًا، أبيعُه لأتقوّت بثمنه.