فهرس الكتاب

الصفحة 13336 من 19127

-وحِلْمُهُ الشديد نابع من المنبع نفسه: ذكر ابنُ الأثير أنَّه كان يومًا جالسًا وعِنْدَهُ جماعةٌ، فَرَمَى بعضُ المماليك بسرموز (حِذاء) فأخطأتْهُ ووصلتْ إلى صلاح الدين، فأخطأتْهُ ووَقَعَتْ بالقرب منه؛ فالتفت إلى الجهة الأخرى يكلُّم جَليسَهُ لِيتغافَل عَنْهُ... وطلبَ الماءَ في مجلسٍ واحد خمس مرات حتى قال: يا أصحابنا والله قتلني العطش، فأُحْضِر الماء، ولم ينكر التوانِيَ في إحضاره" [17] . وكان جالسًا بباب خيمَتِه وجاءه رجلٌ بقصَّة يُرِيدُ تَوقيعَها، فقال: ما عندي دواة، فقال الرجل: ها هي ذي في صدر الخيمة. فالْتَفَتَ فَرَآهَا، ومدَّ نَفْسَهُ وَأَتَى بِها ووقَّع الرُّقعة، وقال: ما ضَرَّنا شيءٌ، قضيْنَا حاجَتَهُ وحَصَلَ الثواب! وكانت طراحتُه تُداسُ عند التَّزاحُم عليه لعرض القصص، وهو لا يتأثَّر لِذَلِكَ... وكان عند يافا وعبَّأ الجُند للحرب فجابَهَهُ بعضُ الأمراء بَعْتِبُ فيه خشونة؛ لعدم توفُّر إقطاعه، فعَطَفَ عِنان فَرَسِهِ كالمغضب... وانصرف وأمر بِقلْعِ خَيْمته، وانفضَّ النَّاسُ عن العَدُوِّ مُتَيَقِّنين أنَّ السلطان رُبَّما صلَب وقَتَلَ جماعةً، ولم يتجاسَرِ ابنُه أن ينظُرَ في عيْنَيْهِ رغم بلائه في الحرب، ومَشَى حتَّى بلدة (يازور) وضَرَبَ خيمتَهُ هُناك... وما من الأمراء إلا من يَرْعَدُ خِيفَةً... ولم تُحَدّثني نفسي - كما يقول ابن شَدَّاد - بالدخول عليه حتَّى استدعاني، وكانتْ قد وَصَلَتْهُ فاكهةٌ كثيرة من دِمَشْقَ، فقال: اطلبوا الأمراء ليأكلوا شيئًا... وحضروا وهم خائفون، فوجدوا من بِشْرِهِ ما أحدث لهمُ الطمأنينة والسرور... كأن لم يجرِ شيء أصلاً..." [18] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت