فهرس الكتاب

الصفحة 13334 من 19127

فإنَّ هذه الصفات الخُلُقيَّة لا تتوفَّر إلا فيمن أضحت نفسُهُ كالبحر، أوسعَ بكثير من أنْ تُعَكِّرَهُ السوَاقِي، وفيمن استغرقتِ الأحلام الكبيرة كلَّ ذاته، فهو في شغل بها كنسور القِمَم عن بُغاث الطير، ولا شك أن هذا الاستغراق الفكريَّ الروحيَّ، هو الذي كان يُنْسِيهِ آلامَهُ الجَسَدِيَّةَ، وقدْ رَوَى ابْنُ شدَّاد مَشْهدًا امتزج فيه الحرب مع المرض، وكان الضعف المرضي يَنْزَاح أمام الهمِّ الحَرْبِيِّ الكبير؛ قال:"مرض (السلطان) ونحن على الخروبة... وبلغَ الفرنجَ ذلك فخرجوا طمعًا في أن ينالوا شيئًا من المسلمين... ورحل العدو... يطلبنا، فَرَكِبَ على مَضَضٍ، وَرَتَّب العسكر لِلِقاء القوم تعبئة الحرب، ونزل هو وراء القوم... حتى يقطع بينهم وبين خِيامِهم، وهو يَسيرُ ساعة، ثم ينزل ويستريح، ويتظلَّل بِمِنْدِيلٍ على رأسه من شِدَّة وَقْع الشمس، ولا يَنْصِب له خيمة حتى لا يُرِي العدو ضعفًا... وبتُّ تلك الليلة أجمع أنا والطبيب نُمَرِّضُه ونُشاغِلُهُ، وهو ينام تارة ويستَيْقِظُ أُخْرى حتَّى لاح الصباح، ثم ضرب البوق وركب هو وركبت العساكر... وفي ذلك اليوم قدَّم أولاده بين يديه، ولم يزل يبعث مَنْ عِنده حتى لم يبقَ إلا أنا والطبيب وعارض الجيش والغِلمان بيدهم الأعلام والبَيَارِق لا غيرُ، فَيَظُنُّ الرائي عن بُعْدٍ أنَّ تَحْتَها خَلْقًا عظيمًا وليس تحتها إلا واحد يُعَدُّ بخلق عظيم... (وأخذ القتلُ الفرنج) ... وبقي رحِمَهُ اللَّهُ في موضعه، والعساكر على ظهور الخيل قُبالَةَ العدو إلى آخِرِ النهار... وبِتْنَا على مثل ما بِتْنَا الليلة الماضية" [14] .

ضمن هذا الإطار يمكن فهم مختلِف مناقبه الخلقية على تعدُّد وجوهها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت