عامانِ عامانِ كم من نَاعقٍ صَمَتتْ أَبْوَاقُهُ مُذْ تعالى صوتُكَ الحاني!
وأنتَ يا سيِّدَ العَزْمِ الأكيدِ يدٌ طَويلةٌ ما ثَناها عن مدًى ثانِ
أنْعَشْتَ رُوحَ الإبا والرَّفْضِ في جَسَدٍ واهٍ وأيقظتَها في جَفْنِ وَسْنانِ
ولم يكنْ لكَ فيما جِئتَ من مَدَدٍ إلا خُلاصةُ إقدامٍ وإيمانِ
لقد وُفِّق شاعرنا أحمد بن يحيى البهكلي في حُسْن المطلع، من خلال سَلاسَة الألفاظ وشُموخ المعاني: (عامانِ مرَّا كأنْ ما مرَّ عامانِ) ، إلا أنني أرى أن لفظ (تُحْصِبُنا) لم ينسجم مع هذا الحُسْن، في حين أتت الأبياتُ التالية متناغمةً، باستثناء لفظ (الحاني) في البيت الرابع، فصوت أطفال الانتفاضة وشبابها لم يكن حانيًا؛ بل جاء قويًا كالصخر، كما أكَّد شاعرنا في عدَّة معانٍ في أبياته، ولعل القافية نَحَتْ بالشاعر إلى ذلك.
كما أثرى التكرارُ (عامانِ) القصيدةَ لتُجدِّف في خضمِّ المعاناة التي يعيشها البطل المقاوِم للاحتلال، والذي رمز له بـ (سيِّد العزم) ، وهي استعارةٌ مَكْنِيَّةٌ، تعاضدت لإبرازها صورٌ حسيَّةٌ ومعنويَّةٌ في معظم أبياته: (كفَّاك ما وَهَتا من كسر صخرٍ) ، (وأنت كبُرْكان) ، (أنْعَشْتَ رُوحَ الإبا والرَّفْض) ، (وأنت يَدٌ طويلةٌ) ، (ما رفرفَتْ شفةٌ) .
كما جاءت إضافة (السيِّد) إلى ياء المتكلم لتَهَبَ القصيدةَ خصوصيةَ المشاركة الوجدانية (يا سيِّدي .. يا سيِّدي) ؛ إذ لم يكن الشاعر إلا ذاك الفتى الذي يتواصل مع إخوانه المسلمين المجاهدين في فلسطين، وهي تبقى قبل ذلك وبعده شهادةً دامغةً لرؤية البهكلي في مضمونه المشرق، وفنِّيَّته الرَّاقية، وهذه الرؤية لن نستطيع تهجِّيها إلا من خلال قوله عن سيِّده البطل:
(ولم يكنْ لكَ فيما جئتَ من مَدَدٍ إلا خُلاصةُ إقدامٍ وإيمانِ)
التمرُ أوَّله البَلَح: