تتفتَّح الدلالة المكانيَّة في قصيدة أحمد بهكلي على نافذة الذِّكريات المؤلمة، وتأوي إلى ظلالٍ حزينةٍ من أشجان فلسطين ولُبنان معًا، ولو لم تكن هذه المواجعُ الروحية المتنامية في نفسه، لما كانت هذه الحسراتُ تشجيه من خلال أشجار القدس اليابسة، ودير ياسين الظامئة، وهو هنا يمضي إلى الفعل السَّاطع بأنواره، لا الكلام الزَّائف الذي لا وزن له، فتقرأ: (وتذكَّرتُ ديرَ ياسينَ، والتَظَتْ في الجفون أشجار قُدْسِي، واحتواني نَشِيجُ لُبنانَ، أَرِنِي أيها الدَّليلُ دليلًا، أَرِنِي أيها الدَّليلُ شريدًا) .
وتنمو القصيدةُ إلى ذروة توتُّرها حين يغدو (مجلس الأمن) مجلسَ خوفٍ واندحارٍ، ويغدو (لُعْبَةَ طفلٍ) بِيَد (نيويورك) !! نيويورك الظُّلم والوعود الكاذبة والخداع والسلام المفقود.
ويستثمر شاعرُنا عنصر السخرية متهكِّمًا لما يراه في (مجلس) الأمن من بُهتان وكذب، وهَضم لحقوق الشعب الفلسطيني، فهو مجلس أمنٍ الأصلُ فيه أن يؤمِّن الناسَ على حياتهم وحقوقهم وعَيْشهم، ولكنه يرتجف خوفًا ورعبًا من الدُّول الكبرى المهيمنة على قراراته! فَلَم يُعِِدْ أرضًا ولا شريدًا، ولم يَرُدَّ معتديًا؛ بل هذا المجلس لا حظَّ لنا فيه - بعد أن خَبَرْناهُ - غيرُ (الحِصْرِم) والزَّيف؛ فيغدو فيه المجرمُ ضحيةً، والضحيةُ مجرمًا!
سيِّد العزم:
وإن كانت الدَّلالة المكانية في قصيدة (رُؤى في نيويورك) تُفضي إلى تلك الأشجان الفلسطينية، فإن حِسَّ الزمان ودَلالته تَجُوبُ بنا في فضاءٍ يَعْبَقُ بأريج الحاضر وشَذى المستقبل، كما نجد في قصيدة (عامان) التي أهداها إلى البطل الفلسطيني الذي تصدَّى للاحتلال بجسده وبالحجارة:
عامانِ مرَّا كأنْ ما مرَّ عامانِ وأنتَ تُحْصِبُنا قَسْرًا كبُرْكانِ
عامانِ يا سيِّدي ما رفرفتْ شَفةٌ إلا جَرَيْتَ عليها نهرَ ألحانِ
عامانِ يا سيِّدي كفَّاكَ ما وَهَتا من كَسْرِ صخرٍ ومن تحطيمِ صوَّانِ