وتتنوَّع الأشكال التي يمكن أن يفيد فيها الشاعر بنصوص الكتاب العزيز؛ فهو قد يُورِد كلمة أو عبارة بنصِّها خلال شِعره، وذلك ما يُعرف بـ"الاقتباس"أو"التَّضْمين"، وتحدَّثتْ عنه البلاغة العربية القديمة، وأوردتْ له نماذجَ كثيرةً من الشِّعر العربي، كما تحدَّث عنه المفسِّرون والدَّارسون للقرآن الكريم، ومن ذلك قول السُّيوطي في"الإتقان":"هو تضمينُ الشِّعر أو النَّثر بعضَ القرآن، لا على أنَّه منه، بألاَّ يُقال فيه: قال تعالى ونحوه، فإنَّ ذلك حينئذٍ لا يكون اقتباسًا" [2] .
كما أجازه الشيخ عزُّ الدين بن عبدالسلام في النَّثر فقط، مستدِلاًّ على ذلك بما وَرَد من أدعيةٍ عن الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعن أبي بكرٍ، تتضمَّن آياتٍ من القرآن، ولكنَّه منع ذلك في الشِّعر، على أننا نرى جَوازَه في الشِّعر؛ فإنَّ دواوين حسَّان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبدالله بن رَواحَة، وغيرهم من صحابة الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - والتابعين - اقتبسوا كلماتٍ وعباراتٍ قرآنيةً في أشعارهم، ولم ينكرها عليهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
وللشيخ تاج الدين السُّبْكي رأيٌ أوْرَدَه في"طبقاته"، معقِّبًا على بيتَيْن لأحد كبار الشَّافعية، هما:
يَا مَنْ عَدَا ثُمَّ اعْتَدَى ثُمَّ اقْتَرَفْ ثُمَّ انْتَهَى ثُمَّ ارْعَوَى ثُمَّ اعْتَرَفْ
أَبْشِرْ بِقَوْلِ اللهِ فِي آيَاتِهِ [إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفْ]
يقول الشيخ السُّبْكي معلِّقًا:"هذا الاقتباس في شِعره له فائدةٌ؛ فإنَّه جليلُ القَدْر، والناس يَنْهَوْنَ عن هذا، وربما أدَّى بحثُ بعضهم إلى أنَّه لا يجوز، وقيل: إنَّ ذلك إنما يفعله الشُّعراء الذين هم في كلِّ وادٍ يهيمون، ويَثِبُون على الألفاظ وَثْبَةَ مَنْ لا يُبالي، وهذا هو الأستاذ أبو منصور من أئمة الدِّين، وقد فعل هذا" [3] !!