وهذه المسألة اختلف العلماء فيها كثيرًا وهي من مفردات الإمام أحمد، فأكثر أهل العلم يرون أن الحجامة لا تفطر ويستدلون بالآثار والنظر. فالآثار يقولون إنه ثبت في البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلّى الله عليه وسلّم:"احتجم وهو صائم، واحتجم وهو محرِم" [11] ، واستدلوا أيضًا بأحاديث أخرى من رواية أنس وغيره، وفي بعضها التفصيل بأن الحجامة كانت من أجل الضعف [12] ، ثم رخص فيها، واستدل القائلون بالإفطار بحديث شداد بن أوس وغيره أن النبي - صلّى الله عليه وسلّم - قال: (( أفطر الحاجم والمحجوم ) ) [13] .
وهذا الحديث ضعفه بعض أهل العلم، وقالوا: إنه لا يصح عن النبي - صلّى الله عليه وسلّم -، فمن ضعفه فإنه لا يستدل به ولا يأخذ به؛ لأنه لا يجوز أن يحتج بالضعاف على أحكام الله - عزّ وجل -، ومن العلماء من صححه كالإمام أحمد، وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما من الحفاظ، وعلى هذا يكون الحديث حجة.
فإذا كان حجة وقلنا: إنه يفطر بالحجامة الحاجم والمحجوم، فما هي الحكمة؟
الجواب قال الفقهاء - رحمهم الله: إن هذا من باب التعبد [14] ، والأحكام الشرعية التي لا نعرف معناها تسمى عند أهل الفقه تعبدية، بمعنى أن الواجب على الإنسان أن يتعبد لله بها سواء عَلِمَ الحكمة أم لا.
ولكن هل لها حكمة معلومة عند الله؟
الجواب: نعم لا شك؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - قال: {ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الممتحنة: 10] فما من حكم من أحكام الشريعة إلا وله حكمة عند الله - عزّ وجل - لكن قد تظهر لنا بالنص أو بالإجماع أو بالاستنباط، وقد لا تظهر لقصورنا، أو لتقصيرنا في طلب الحكمة.