والفتنة الجديدة هي حوارهم، حوار الدعاة بعض المسلمين، حول دولة دينيّة أم مدنيّة. ولو دار مثل هذا الحوار بين النصارى فربما كان له مسوّغ. أما بين دعاة مسلمين يحملون أمانة رسالة ربانيّة فهذا مصدر دهشة وذهول!
ويحسن أن نبدأ بالقضية من جذورها بصورة مختصرة:
فعندما جاءت النصرانيةُ إلى أوروبا، في ظل الدولة الرومانية، اصطدمت مع الوثنية السائدة المسيطرة. وظل الصراع قرابة ثلاثمائة من السنين، حتى استطاعوا أن يصلوا إلى الإمبراطور قسطنطين، وتدور بينهما مساومات انتهت بإيقاف التعذيب عنهم من ناحية، وتنازلهم عن قواعد أساسية في النصرانية، ليتبنّوا حلاً وسطاً مع الوثنية، تلا ذلك مؤتمر في نيقية سنة 325م، المسمَّى"بالمجمع المسكوني"الذي أقرّ عقيدة نيسين المنحرفة عن رسالة عيسى عليه السلام، رسالة الإسلام، وعقيدة نيسين أقرت الطبيعة الثلاثية لعيسى عليه السلام، ثم قضى هذا الحلف -بين النصرانية المنحرفة والدولة- على النصارى الذين تمسكوا بعقيدة التوحيد قضاءً تاماً.
وقامت الكنيسة الكاثوليكية ولها سلطان ونفوذ، وكأنها أصبحت تمثل السلطة الدينية، ثم اصطدمت مع العلماء ومع الملوك والسلطة الزمنية، حتى انهار سلطان الكنيسة وظلمها، وقامت سلطة علمانية دنيوية حصرت الدين في الكنيسة في عصر سُمّي عصر التنوير. وبذلك حملت القرون الوسطى في أوروبا مصطلح السلطة الدينية، ثم السلطة الدنيوية في عصر التنوير، وفي الحالتين كانت السلطة خارجة كلِّية عن رسالة عيسى عليه السلام، رسالة جميع الأنبياء والرسل الذين ختموا بمحمد -صلى الله عليه وسلم-.