من خلال ما تقدم يظهر للمتأمل أن كتب العهد الجديد ما كتبت بإلهام وإلا لما تضمنت التضاربات والاختلافات فيما بينها من جهة، وفيما بينها وبين كتب العهد القديم من جهة أخرى. ثم لو كتبت بإلهام لتحققت الأخبار الغيبية الواردة فيها، فعدم تحققها ينفي دعوى الإلهام فيها.
والذي يجب ألا يغيب عن البال أن بعض من ننسب إليه بعض هذه الكتب - على فرض صحة النسبة - أمثال مرقس ولوقا ملهمين. جاء في قاموس الكتاب المقدس:"... كتب بابيوس مستنداً من يوحنا الشيخ لهذه العبارة التي أقتبسها يوسيبيوس في تاريخه الكنسي:"هذا أيضاً ما قاله الشيخ: أن مرقس كان مفسراً لبطرس ومترجماً لآرائه، سجل جميع الأشياء التي ذكرها من أقوال المسيح أعماله، لأنه لم يسمع الرب، ولا كان من أتباعه، ولكنه أتبع بطرس فيما بعد كما ذكرت أنفاً" [146] ."
فقوله: سجل جميع الأشياء التي تذكرها من أقوال المسيح... يدل على أنه غير ملهم فيما كتب، حيث إنه سجل ما تذكره من أقوال المسيح- عليه السلام- وأعماله حسب ما اخبره به بطرس شيخه.
أما لوقا المنسوب إليه الإنجيل الثالث فمقدمة الإنجيل تدل على أنه غير ملهم فقد جاء فيها:"إذا كان كثيرون قد اخذوا بتأليف قصة في الأمور المستيقنة عندنا كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين، وخداماً للكلمة، رأيت أنا أيضاً إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق أن أكتب إليك على التوالي أيها العزيز ثاوفيلس، لتعرف صحة الكلام الذي علمت به" [147] .
والذي يلاحظ من هذه المقدمة أن لوقا لم يدع الإلهام فيما كتب، بل يقرر صراحة أن معلوماته جاءت نتيجة لاجتهاده الشخصي، لأنه قد تتبع كل شيء من الأول بتدقيق [148] .
سابعاً: الوثنيات السابقة في العقائد النصرانية
مما لا شك فيه أن اللاحق يتأثر بالسابق فيما يتعلق بالعقائد المتشابهة والنصارى هم اللاحقون، وبالتالي هم المتأثرون بوثنيات من سبقهم.