ومن وحي واقعه وعصره؛ صوَّرَ أحدُ الأدباء حالَ بعض أولئك المُبتَعَثين فقال:"ذهب فلانٌ إلى أوروبا، وما ننكر من أمره شيئاً، فلبث بضع سنين، ثم عاد، وما بقي مما كنا نعرفه عنه شيء!!"
ذهب بوجهٍ كوجه العذراءِ ليلةَ عُرسِها، وعاد بوجه كالصخرة الملساء في الليلة الماطرة.. ذهب بقلب نقيٍّ طاهرٍ، يأنس بالعفو، ويستريح إلى العذر، وعاد بقلب مظلِمٍ مدخولٍ، لا يفارقه السُّخْطُ على الأرض وساكنِها، والنِّقْمةُ على السماءِ وخالقِها.
ذهب بنفسٍ غضَّةٍ، خاشعة، ترى كل نفسٍ فوقَها، وعاد بنفس ذهَّابةٍ، نَزَّاعة، لا ترى شيئاً فوقها، ولا تلقي نظرة واحدة على ما تحتها.
ذهب، وما على الأرض أحبُّ إليه من دينه وأهله، وعاد، وما على وجهها أصغرُ في عينيه منهما".."
هكذا يصورُ حالَ بعض مبتعثينا الأديبُ البارعُ مصطفى لطفي المنفلوطي [5] ، الذي عاصر حِقبة الاحتلال الإنكليزي، التي حرص الغربُ على صناعة كثير من رجالها تحت أعينهم، ثم جاء بُعَيدَه - من الطرف الآخر لإفريقيا - المفكرُ الجزائريُّ مالكُ بن نبي [6] - الذي كانت بلاده تَئِطُّ تحت وطأةِ الاحتلال الفرنسي - ليُسجِّلَ ملاحظة قريبةً من ملاحظة المنفلوطي بشأن المبتعثين، الذين يرجعون بالشهادات، بعد أن يغادروا أرواحَهم في خَمَّارات الحيِّ (اللاتيني) في (سان حرمان) !
ولا يزال الغربيون يقدِّمون المِنَحَ من أجل التغريب، مع إتقانهم الفرز والاختيار للمرشَّحين، وقد لفتَ الأنظارَ قبلَ أَمَدٍ خبرٌ نشرته بعضُ الصحف، عن منحٍ قدَّمها وزير الخارجية البريطاني، لأربعة طلاب وتسع طالبات من دولة محافظة؛ أظهرت صورةٌ مشتركةٌ بعضَ الطالبات سافراتٍ، بل فيهن حاسراتٌ، بين الرجال! وحسبك بهذه البداية، مؤشِّراً يشعر بالحال عند النهاية [7] !!
ولهذا لم يكن مستغرَباً منعُ بعض أهل العلم الابتعاثَ إلى الخارج سدّاً لباب الرِّدَّةِ والنشأةِ الكُفريةِ، وقطعاً لمادة الفتنة [8] .