حتَّى أولادي شارَكُوني فَرْحَتِي، مِن شِدَّة ما رَأَوْا سَعَادَتِي بِهَذِه الرِّحْلَة، وصارُوا يُشارِكُونَنِي عَدَّ الأيام؛ لِلانْطِلاق لِلخيام بمِنى.
بدأنا الاستعداد للحج، واشترى زوجي ملابسَ الإحرام، بيضاء ناصعة، تلتفُّ على جسده دون تفصيل.
لوَهْلَة اقْشَعَرَّ بدني وأنا أقول له: كم تُشْبِه هذه المناشف الكَفَن!
تبسَّمَ وهو يقولُ لي: هذه الغاية منها، أن تذكِّرَنا بهذا اليوم، لِنَرى الدنيا ضئيلة قصيرة؛ لكننا اليوم نذْهَبُ بأرجُلنا، وغدًا نُساق مُكْرَهينَ.
قال لي: نعم؛ لذلك يسهل علينا الاستعداد، وهل أروع مِن أن تعودي كيوم ولدَتْكِ أمُّكِ؟ لم يبقَ سِوى حقوقِ العباد، فسارعي بسدادها.
شعرت برُعْب ثانية، كيفَ لي أن أجمع كل مَن عرفت؛ لأسْتَسْمحهُم ليُحلُّوني، فقد مَرَّ عليَّ بِحياتي الكثيرُ، ولا أعرف لمن أسَأْتُ! سارَعْتُ لجَوَّالِي، لِلمسنجر، للهاتف؛ أُرْسِل رسائل سريعة للجميع؛ أسألهن السَّماح، ويوصونني بالدعاء هناك.
سألَتْنِي إحداهُنَّ: هل مِن طبعك التشاؤم عادة؟ لماذا تودعينَ كأنكِ لن تعودي؟
تبسَّمْتُ وأنا أجيبها: أشْعُر بأن الحج لهذه الغاية، وسعيدة أني أستطيع الاستعداد اليوم، أسألُ الله أن يُحْسِنَ خِتامَنا، ويُمَكِّنَنا من الاستعداد قبله.
عادت لذهني صورةُ صحابِيّ كان على فراش الموت، فجمع الجميع يسألهم أن يُحلُّوه، ولم يغمض جفنه حتى اطمأن لذلك.. غفر الله له وبلَّغَنا هذا.
أعْددتُ حقيبة صغيرة، ضمنتها أساسيات فقط؛ كيلا يثقل حملها. كَوْنِي حججْتُ فرضِي، فقد نويتُ هذا العامَ أن أُهْدِيَ حجتي لأحد الأحبة، الذين فارقونا ورحلُوا.
كانتْ أُمّي ليلتها تزور أهل عبير - رحمها الله - عادت لزيارتي، وقالت لي: كدتُ أخبر أمها أنَّكِ ستُهْدِينَها الحَجَّ وتنوينَهُ عنها؛ لكنني آثرت أن أسألكِ قبلها.