والناس قسمان: عامة مقلدون و مجتهدون مستنبطون، ولا نزاع في أن القسم الأول أكثر من القسم الثاني، بل هو الكثرة الكاثرة والغالبية العظمى، وهؤلاء يكتفون بالتقليد في غالب أحوالهم، وأحسن أحوالهم الاتباع مع فهم الدليل، وفي الحالين إنما عرفوا الحق بالرجال.
والناس في اتباع الرجال أقسام: منهم من يأخذ بالمشهور من الأقوال، وإنما صار المشهور من الأقوال مشهورا بقول الرجال.
ومنهم من يأخذ بمذهب من المذاهب الأربعة، وإنما اشتهرت هذه المذاهب بشهرة رجالها، وبكثرة الرجال المتبعين لها، وبكثرة المصنفات فيها وفي أصولها وفروعها، وبكثرة من يتبعها ويلتزمها ويدافع عنها وينافح عنها.
ولهذا ذكر كثيرون أنه لا يصح اتباع غير هذه المذاهب الأربعة، وهذا القول إنما قاله من قاله لأنه يرى أن الحق إنما يعرف بالرجال.
بل ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الراجح في المسائل الفقهية لا يخرج عن المذاهب الأربعة إلا قليلا جدا.
بل صنف بعضهم المصنفات في وجوب اتباع المذاهب الأربعة وعدم الخروج عنها، وذكروا من الأدلة على ذلك ما لا يحصى، منهم ابن رجب الحنبلي.
وذهب بعضهم أبعد من ذلك، فصنفوا في وجوب اتباع أبي حنيفة فقط، أو مالك فقط، أو الشافعي فقط، أو أحمد فقط.
ففي أبي حنيفة قالوا: قد ثبتت الخيرية في الحديث للصحابة والتابعين وفي غيرهم خلاف، وأبو حنيفة هو الوحيد في الأربعة الذي يندرج في سلك التابعين.
وفي مالك قالوا: إمام أهل المدينة ولا يفتى ومالك في المدينة، وقد أخذ العلم عن أبناء الصحابة عن الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو أوثق وأقعد وأضبط، ولذا كان يحتج بعمل أهل المدينة كثيرا.
وفي الشافعي قالوا: أول من جمع بين علوم العقل والنقل ولغة العرب وأصول الفقه حتى كان الإمام أحمد رحمه الله يؤثر الحديث النازل على العالي لكي لا يفوت مجلس الشافعي.