فالمرأة والوليد والشيخ الكبير لا يُقتلون، ومَنْ لم يشارك في الحرب لا يُقتل، والأسير يُكرَم حتى يُقضى في أمره، والجريح لا يُجْهَز عليه، والثَّمر لا يُقطع، والزَّرْع لا يُحرَق، والآمِن لا يروَّع.
والمسلمون ينفِّذون تلك الوصايا؛ لأنَّهم لا ينطلقون في جهادهم من تحقيق مصالحٍ ذاتيَّةٍ، وليس يدفعهم للقتال أحقادٌ دفينةٌ، أو أضغانٌ قديمةٌ.
ومع ذلك تُخفى الحقائق، ويمارَس التَّزوير في حقِّ المسلمين في كل وسيلةٍ تُسمع أو تُقرأ أو تُرى، بينما يصور غيرهم بأنهم رحماء، ومن العفو أقرب، وعن الانتقام أبعد.
ماذا فعل الصليبيُّون في بيت المقدس لما اغتصبوه، وبقي في أيديهم ما يزيد على تسعين سنة؟! إن التاريخ يذكر أن الدِّماء في الأقصى بلغت الرُّكَب، وأن الصليبيين لم يفرِّقوا بين طفل رضيع، أو امرأة ضعيفة، أو شيخ طاعن في السِّن؛ بل كانت سيوفهم تُعْمِل القتلَ في الرِّقاب كلِّها، ولست محتاجًا لأن أرجعكم إلى ذاكرة التاريخ؛ لأن ممارسات الصليبيين الصِّرب الدَّموية قريبة العهد؛ ولأن أفعال اليهود بمسلمي الأقصى تُنقل إلى الأسماع والأبصار كلَّ صباحٍ ومساء.
وما من فِرْيَة تُلْصَق بالإسلام إلا ويتولى كِبْرَها منافقو العرب ممَّن نزع الله منهم الإيمان؛ فامتلأت قلوبهم أحقادًا زُرْقًا على الإسلام وأهله؛ ولكنهم يَضُرُّون أنفسهم، ولن يضرُّوا الله تعالى شيئًا، ولن يضرُّوا المسلمين ما بقي المسلمون مستمسكين بشريعتهم، عاضِّين عليها بالنَّواجذ، وإن كيدهم ومكرهم عائدٌ عليهم بأمر الله - عزَّ وجلَّ - ولا تزال الأيام تفضحهم، وتُظهر عوراتهم ونفاقهم: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ} [آل عمران: 54] ، {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} [الطًّارق: 15-17] .
ألا وصلُّوا وسلِّموا على خير خلق الله، كما أمركم بذلك ربُّ العزَّة والجلال.