والأمر الثاني: أنهم واجهوا أهواء الناس وشهواتهم؛ والناس بطبعهم لا يحبون من يخالفُ هواهم في الجملة، وهذا الأمر الثاني هو محل الإجلال والإكبار لرجال الحسبة إذا تأمل المنصف؛ إذ ضحَّوا من أجل ذلك بأوقاتهم وراحة بالهم وبسمعتهم؛ في حين رضي بعضُ العلماء - ويشاركهم المثقفون والكتاب - بالجلوس خلف المكاتب يعالجون الأوراقَ والكتب متخصصين في الإنكار الفكري كما يقال، وينكرون من مكان بعيد، وأنى لبعيد أن يدركَ ما يدركُ القريبُ، وكما قلت: إن الاحتساب عمل ميداني، من لم يجرب مضايقَه لم يكشف حقائقه، وهذا الإنكارُ من مكان بعيد جعلهم لا يدركون الأمرَ من جميع جوانبه في بعض الأحيان، فينكرون برأيهم ما رآه الناسُ بعيونهم، ثم إذا جاءوا يردون على مبالغات بعض الصحفيين أخذوا يتحدثون عن فضيلة الحسبة، ومكانها في الدين، وأنها سفينة النجاة، وأنها الركن السادس من أركان الإسلام، وهذا كله حق، والذين يجادلون في هذا المسلمات غير مخاطبين بهذه المقالة أصالة؛ وتجدهم متجاوزين الأخطاءَ الحقيقية الواقعة وغير المقصودة من بعض رجال الحسبة كالقبض على الظن، والاشتباك على الشبهة، ثم قد يتطور الأمر إلى العراك والملاسنة، ثم إلى الدخول فيما يأنف منه الفضلاءُ ويترفع عنه العقلاء ويأباه الحُر الرشيد؛ ثم هم إذا جاءوا في معرِض ذكر الإنجازات أو تسويغ بعض التصرفات المذكورة آنفا تراهم خلعوا مسوح الوعظ والإرشاد إلى المحامي الرسمي المعين من قبل أنفسهم قائلين بأن الهيئة جهاز من أجهزة الدولة؛ له ما لها وعليه ما عليها، وهذه العبارة الأخيرة تكون باللسان دون القلب أحيانا؛ أفلا ترون بعض الذابين عن رجال الحسبة أخذوا يتهمون الناقدين لرجال الحسبة بأنهم من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا... إلخ، وهذا الأسلوب بالذات - وهو غير حميد إذا كان لإبطال الحق - يُلقي على بعض الناس الذين لا يفرقون بين الدين والرجال عدمَ الخوض في هذه القضايا ولو