فهرس الكتاب

الصفحة 10461 من 19127

إذا كان ذلك كذلك فلا يمنعُنا مخالفةُ المخالف لنا في الوجهة والمشرب من أن نقبل صوابه، وقد أخبرنا معاذ رضي الله عنه أن على الحق نورا، إلا أن الظلام الذي نراه أو نصنعه حول المخالف يجعلنا لا نراه، فإذا أردنا - وكنا صادقين مع أنفسنا - أن نرى هذا النور فلا بد - كما ذكرت أول المقالة - من أن نفرق بين القائل وقوله، والراوي وروايته، ورأيه أيضا إذا أحببنا، ومن جهة أخرى لا يمنعنا خطأ المصلح من أن نقول له: أخطأتَ؛ ولا يُعَد هذا تجنيا على الحق، ولا زرايةً بأهل الصلاح، ولا تشويها لسمعة أهل الخير، كما أنه في الوقت ذاته لا يعد إعانة لأهل الباطل على أهل الحق. وقد رد الخطيبُ البغدادي رحمه الله قولَ بعض أهل العلم حين اعتذر عن بيان بعض أخطاء أحد العلماء بقوله: أخشى أن يسقط أمام الناس!. فعلق الخطيب على ذلك: لكن حراسة العلم أولى من حراسة العالم! وها هم أولاء صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم قادةُ الأنام، ومعادِنُ العلم، وينابيع الحكمة، وأَولَى البشر بكل فضيلة، وأقربُهم من التوفيق والعصمة؛ ما منهم إلا وقد بدا منه هفوةٌ، أو وقع في زلة، وقد رفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه وتبرأ أمام الناس من قتل خالد بن الوليد - رضي الله عنه - أسرى بني جذيمة، وقد ضرب عمر - رضي الله عنه - بالدِّرة رأسَ عمرو بن العاص، وقال للمصري: والله لولا صلعةُ أبيه لما تجرأ عليك ابنه!. وما كان هذا تقليلا من شأن الأمراء، ولا تنقصا من أقدار ذوي الهيئات أمام العامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت