فَسَلْ صحراءها وقِفارها ووِهَادَها وجبالها تُنبئْك عن أخبارها؛ فما مِن بقعة فيها إلا وقد تَشرَّفَتْ بأن يطأها قَدَمُ مُجاهدٍ في سبيل الله، أو كانَتْ قَبْرًا لشهيدٍ في معركة حاسمة، أو وقف عليها قانتٌ لِلَّه ساجدًا وراكعًا، أو وطئتها سنابك خَيْلِ أبطالِها الفاتحين، وما من واحد من أبنائها إلا هو سليل أولئك الأمجاد، الذين حَمَلُوا للناس الهدى والنور، يوم حَمَلَ غيرهم الخراب والدمار.
فإذا فخرت بلاد بأنهارها، وأشجارها، وطِيب هوائها، فحُقَّ لهذه الجزيرة أن تفخر بنورها، الذي عمَّ الأفق، وملأ الأسماع، وأخرج الناس من الظلمات إلى النور، وهداهم الصراط المستقيم.. إنه الإسلام.
وإذا فخرت بلاد بفكرها، وأدبها، وشِعرها، فحسْبُ هذه الجزيرة أن تفخر وتُطاوِل السماء بمعجزة الله الخالدة، حجةِ الله على العالمين، الذي شرُفت لغتها أن تكون وعاءه المختار.. إنه القرآن الكريم.
وإذا شَرُفَتْ بلاد برجالها وأبطالها وزعمائها، فإن هذه الجزيرةَ تَشرُف وتعتز برحمة الله للعالمين... إنه محمد بن عبدالله، فأي تاريخ كتاريخها؟! وأي مجد كمجدها؟! فأي يدٍ تريد أن تطمس ذلك، أو تتخلى عنه لتعيش على حثالات الأفكار، وفُتات موائد الآخرين: إنها اليد الآثمة، والفكرة المجرمة، والعقول المريضة التي سلخت من أمتها؛ كما يُسلخ الأديم.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الشوقيات جـ1/205 من قصيدة نهج البردة.