فهرس الكتاب

الصفحة 10077 من 19127

نعم هذه الجزيرة هي جزيرة الإسلام، وإنه اسم وافق مسمًّى، فبأي مقياس تقيس، وبأي عين تنظر إلى هذه الجزيرة؛ فلن تستطيع أن تَفْصِلَها عن الإسلام الذي هو قدرها وقدر أبنائها، مهما تغيرت الظروف والأحوال، وأيُّ اتجاه - بأي دعوى كانت - يخرجها عن هذا الطريق، أو يَسومها التجافيَ عنه: هو في الواقِعِ رجوعٌ بِها إلى عهْدِ جاهلِيَّتها وظلامها وضلالها، فعندما كان الإسلام غيبًا من غيوب الله المستترة، كانتْ هذه الجَزِيرَةُ بُقْعَةً من الأرض، لا يُعبَأ بها ولا يُلتفَت إليها، ولم تستوقف أحدًا، وما عاج عليها التاريخ ليسجّل ما يدور بداخلها؛ إلا وقفات لا تُشرِّف؛ بل هي العار، عندما يَجِدُ بِنتًا تُدْفَن حيَّة! أو ساجدًا لحَجَر يتخذه إلهًا! أو حربًا تزهَق فيها الأرواحُ أربعين سَنة من أجل ناقة! ولكن عندما أشرق على بطْحائها نورُ الحق، فكان ذلك إيذانًا بِولادتها، وبداية تاريخها الناصع، ومجدها التلِيد، فعلى جبل نورها تجلَّى الوحيُ بكلمة (اقرأ) رمزًا للعلم والمدنية.

وَقِيلَ إِقْرَأْ تَعَالَى اللَّهُ قَائِلُهَا لَمْ تَتَّصِلْ قَبْلَ مَنْ قِيلَتْ لَهُ بِفَمِ

هُنَاكَ أُذِّنَ لِلرَّحْمَنِ فَامْتَلأَتْ أَصْقَاعُ مَكَّةَ مِنْ قُدْسِيَّةِ النَّغَمِ [1]

وفي أفق سمائها انبثق النور الذي ملأ المشرق والمغرب، وعلى أرضها طُبِّق منهج الله واقعًا حيًّا في ظِل دولة الإسلام، ومنها انطلقت مواكب الفتح أمواجًا لتُخرج الناس من الظلمات إلى النور، وتهدي البشرية وتصلح فساد قلوبها وأخلاقها، وتعمر الأرض بعد خرابها، وتقيم عليها أسمى حضارة عرفتها الإنسانية وسعدت بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت