قدَّم أبو بكر ماله كله، وقدَّم عمر نصف ماله، وجهز عثمان جيش العسرة، ومات خالدٌ ولم يترك إلا القليل من المال، رضي الله عنهم وأرضاهم، وتوفي صلاح الدين - رحمه الله تعالى - وما ورَّثَ إلا بضعة دراهم، وغيرهم كثير؛ كانوا ينفقون في سبيل الله - تعالى - ولا يخافون الفقر. أرأيتم لو أن قضية الرزق شغلتهم، وأنهم خافوا على أولادهم الفقر والعيلة أكانوا يفعلون ذلك؟!
وقتل في أُحُد سبعون من خيار الصحابة - رضي الله عنهم وأرضاهم - وقضى أبو أيوب الأنصاريُ - رضي الله عنه - في غزو القسطنطينية، ودُفن تحت أسوارها، ومات أبو طلحة الأنصاري - رضي الله عنه - غازيًا في البحر، فما وجدوا جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام ولم يتغير!
وتاريخ المسلمين زاخرٌ بنماذج كانت تطلب الموت مظانه، وتقدمُ أرواحها رخيصة في سبيل الله - تعالى - فلو أن أولئك لم يكن عندهم إيمان راسخ بأن الأجل مكتوب، وأن الحي لا يموت حتى يستكمل عمره؛ لاشتغلوا بالحفاظ على أنفسهم وصيانتها بدل تعريضها للمخاطر والموت.
إن من أعظم أسباب ذلة المسلمين في العصور المتأخرة هو الخللُ في فهم قضيتي الرزق والأجل، أو ضعفُ الإيمان بهاتين المسألتين المهمتين.