فهرس الكتاب

الصفحة 9660 من 19127

-ليس صحيحًا ما ذَكَرْتَ أيها العزيز، فقد عاش المسلمون والأقباط في ظل تطبيق الشريعة ثلاثةَ عَشَرَ قَرْنًا أو يَزيد، فلم تتشرذمِ الأمَّة ولم يتمزقِ الوطن، بل تكاتفت سواعدُ الجميع في بناء حضارته وردِّ العُدْوان عنه في إطارٍ جامعٍ منَ العهود المصونة والذِّمَمِ المَرْعِيَّة، ولم يطالبِ الأقباطُ قطُّ بأن يلتزموا بالشريعة كدِين أو أن يخضعوا لحُكْمِها عَقَدِيًّا، فهذا الذي لا سبيل إليه في ظلِّ قاعدة: (( لكم دينُكم ولي دين ) )، وقدِ اختاروا أن يكونوا أقباطًا، فكيف يُكرَهون على ما هم به كافِرون.

إنَّ هذا المنحى في تطبيق الشريعة لم يَطُفْ قَطُّ بخاطر أحد منَ المسلمين، وإنما خضع الأقباط لحكمها كقانون عامٍّ واجبِ النفاذ في الدولة؛ تمامًا كما يخضعون الآن للقوانين الوضعية، وليست هي دينَهم الذي به يَدينون، ولا مردُّها كتابهم الذي هم به مؤمنون.

كما أنهم قَبِلُوا بها باعتبارها تُرَاثًا قَوْمِيًّا وحَضَارِيًّا لهم، فإن لم يؤمنوا بها دِينًا فقد آمنوا بها ثقافةً وحضارةً حتى كان بعضهم يقول: أنا - مسيحي دِينًا ومسلم وطنًا وثقافةً - ولقد حفلت مقالات أدبائهم وقصائدُ شُعرائهم بهذا المعنى:

قال أمين نخلة:"الإسلام إسلامانِ: واحد بالديانة، وواحد بالقومية واللغة، ومن لا يَمُتُّ إلى محمدٍ بعَصَبِيَّة، ولا إلى لغة محمد، وقومية محمد، فهو ضيفٌ ثقيل علينا، غريبُ الوجه بيننا، ويا محمدُ، يمينًا بديني ودين ابن مريم، إنَّنا في هذا الحي منَ العرب نتطلَّع إليك من شبابيك البَيْعَة؛ فعقولنا في الإنجيل، وعيوننا في القرآن" [1] .

ويقول فارس الخوري:"أنا مسيحيٌّ ولكني أُجاهر بصراحة: إن عندنا النظامَ الإسلاميَّ، وبما أن الدول العربية المتحدة - كان ذلك في عهد الوحدة بين مصر وسوريا واتحادهما مع اليمن - بأكثريتها الساحقة مسلمةٌ، فليس هناك ما يمنعها من تطبيق المبادئ الإسلامية في السياسة والحكم والاجتماع" [2] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت