ولولا الحرص على سلامة ذوق القراء؛ لسقت أمثلة كثيرة لمثل هذا الغث، ولمثل هذا الطرح؛ الذي يراد منه هدم الدين، وتقديمُه بديلاً صالحاً لكل الأطراف، زعموا! ولقد سبقهم في ذلك مُنَظِّرُ الاتحاد والحُلول ابن عربي، النكرةُ، إذ يقول:
لقد صار قلبي قابلاً كلَّ صورةٍ فمَرعىً لغِزلانٍ و دَيرٌ لرُهبانِ
وبيتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طائفٍ وألواحُ توراةٍ ومُصحَفُ قرآنِ
إن الأنسنة مذهبٌ يؤكد وجهة النظر المادية الدنيوية، وهو مِن أُسُس فلسفة (كُونْتْ) الوضعية، وفلسفة (بتنام) الذرائعية، وكتابات (برتراند راسل) الإلحادية، لكن هؤلاء لهم سلف في الفكر اليوناني؛ كما أوضح الدكتور علي أبو العينين في بحثه القيم (نقد الفكر التربوي المعاصر) ، فقد ظهر أثر الإنسانية فيما أنتجه الفكر الإغريقي - من علم وفلسفة وفن - ظهوراً ميزهم عن غيرهم؛ فالإغريق جعلوا الإنسان محل اهتمامهم، وموضع تأملهم ودراساتهم، بل وتناولوا كل موضوع آخر من زاوية علاقته بالإنسان، حتى إنهم قالوا: إن الإنسان هو المقياس الوحيد الذي يقاس به كل شيء آخر في الكون!
ولا يخفى بعد ذلك نزعتهم التي"مجدت القدرات الإنسانية، وشُحِذَت من الإمكانات البشرية، وسارت في ذلك إلى نهاية الشوط الذي يغلِّب النزعة الإنسانية على كل شيء، ونعني بالنزعة الإنسانية هنا: ذلك الإنسانُ مقابلَ الكون والوجود والقوة العليا!! قد يحاربه القدر الأعمى، وقد يسقط؛ ولكن، سقوطَ أبطال التراجيديا، المثير للشفقة والرحمة! حتى الآلهة، قد ألبسوها ثوباً إنسانياً يكاد يلغي البعد بينها وبين الإنسان، حتى قيل: إن الآلهة عند (هومير) بشر، والبشر آلهة! ووُجِدت عشرات الآلهة التي تحارب بعضها، وتغضب وتثور، وتهدد وتنذر، ثم تهدأ وتلعب وتشرب الخمر!!"