ولكنَّ الموضوع أُثِير في عُنْفٍ لَفَتَ الأنظار، عِندما أَصدَرَ فيه قاسم أمين كتابينِ، صدر أحدهما 1899 وهو كتاب"تحرير المرأة"؛ وصَدَرَ الثَّاني في العام التالي سنة 1900م وهو كتاب"المرأة الجديدة"، وَقَدْ حاوَل قاسم أمين أن يُخْفيَ في الكتاب الأوَّل دوافِعَهُ الحقيقيَّةَ، وهي الافتتان بالحضارة الغربية؛ ليبدوَ كأنه يستنبط أحكامه من كتاب الله وسُنَّة رسوله؛ ولكنَّه لم يلبثْ أن كشف عن حقيقة نَوَاياه في كتابه الثاني، حين أثاره الذين عارضوه بِرُدُودِهِم العنيفة، فدعا الناس في صدر هذا الكتاب إلى أن يتخلَّصوا مِمَّا وَقَرَ في نُفوسِهم من أنَّ عادَاتِهم هي أحسنُ العادات، وأن ما سِواها لا يستحِقّ الالتفات، وقال: (( إنَّ طالب الحقيقة لا يجب أن يجري في إصدار أحكامه على هذا الضَّرْب من التساهُل؛ بل يجب أن يُعَوِّد نفسه على أن يجري نَقْدُه للحوادث على أُسلوب علميّ، ثُمَّ قرَّر في آخِرِ كتابه أنَّ التمدُّن الإسلامي قد بدأ وانتهى قبل أن يُكْشَفَ الغطاءُ عن أصول العلم(كذا؟!) ، فكيف يمكن أن نعتقد أن هذا التمدُّن كان نموذجَ الكمال البشريّ؟ ))وفي هذا الكتاب الذي كشف عن حقيقة نوايا قاسم أمين ودوافعه، اختار المُؤلِّف أسوأ ما في الحضارة الإسلامية من صور الفساد؛ ليزعُمَ أنَّها أقلُّ من المستوى الذي بلغه اليونان والرومان في كفالة الحُرِّيات، وخَتَمَ هذه المقارنةَ الظالمةَ المُغْرِضَة بقوله:"متى تَقَرَّرَ أنَّ المَدَنِيَّةَ الإسلامية هي غيرُ ما هو راسخٌ في مُخَيِّلَةِ الكُتّاب الذين وصفوها بما يُحِبُّون أن تكون عليه، لا بما كانت في الحقيقة عليه، وثبت أنها كانت ناقصةً من وجوه كثيرة، فَسِيَّانِ عندنا بعد ذلك أنَّ احتجاب المرأة كان من أصولها أو لم يكن، وسواء صَحَّ أن النساء في أزمان خلافة بغداد والأندلس كنَّ يَحْضُرْنَ مجالس الرجال أو لم يصحَّ، فقد صحَّ أن الحجاب هو عادة، لا يليق استعمالُها في عصرنا".