للإجابة على ذلك سأحاول إلقاء نظرة موجزة على العلم في مرحلتين، مرحلة ما قبل العصر الحديث، ومرحلة العصر الحديث.
أما المرحلة الأولى فتبدأ منذ تنزل الوحي الذي جاء من أجل أن يغير الإنسان والمجتمع ويصنع ثقافة عالمية تعلن مولد المجتمع العالمي والثقافة العالمية الربانية التي تهدف إلى إنقاذ الإنسان وإسعاده ورعايته، وتعلن صراحة ودون مواربة أنها لن تلغي الاختلاف أو تنهيه، ولن تصادر حق المخالف في الوجود بل في الحوار والتعايش، ولكنها تكشف عن حقيقة الإنسان وسر سعادته وشقاوته، وأصول السعادة والشقاوة، والسنن التي يشتغل الوجود الإنساني في ضوئها، بل وجود المخلوفات بأسرها، ولكنها تبين في الوقت نفسه أن الوصول إلى السعادة وفق توجيهاتها لن يكون مرضيا لدى الطائفة العظمي من الناس بسبب غلبه الهوى، ولكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن التداول بين الناس من عوامل الصلاح واندفاع الفساد، وكذلك إلى الظهور التدريجي للحق وأن الوقائع الكونية والإنسانية ما تزال تدفع بالتاريخ إلى ظهور الحق، كل ذلك كان واضحا وبيناً في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكان تكون المجتمع الإسلامي الأول تسجيلا للثقافة الإسلامية في التاريخ ، وبداية لحراكها على الأرض خارج النص الذي يعتبر مرجعها، ولآخذ بخطواتها على الأرض، وقد كان وضوح ذلك الأمر الكلي من الأسباب الأساسية لعدم الكتابة في أو التنظير له، بحيث كانت العناية موجهة للتفاصيل ولبيان جوانب الإسلام، وظهر ذلك بحسب ما يؤدي إليه حراك المجتمع المسلم، ولكن الاختلاف في الأمة أظهر نوعا من التفسير الكلي للإسلام، ولكن في إطار مذهبي كما يلاحظ في المذاهب المتكاملة في تاريخ الحضارة الإسلامية التي لها تصور عقدي ينبثق منه مذهب علمي كالتشيع بمذاهبه، والمذاهب السنية، ومذهب الخوارج، فقد كانت تلك المذهبيات تؤسس لتفسير الإسلام بنزعة كلية تكاملية وفق رؤيتها العقدية، فهي عبارة عن نظرة كلية