نزل مكة المكرمة، الوادي المُجدِب القفر، الذي قد خلا من الأنيس والزرع، نزله سيد الحنفاء إبراهيم - عليه السلام - بأسرته المؤمنة الصغيرة، المكونة من زوجته هاجر - رحمها الله - وابنه الرضيع إسماعيل عليه السلام. ومن هذا البيت الصغير أشرقت الحياة من جديد، وآذنت بميلاد نبينا محمد الرحمة المهداة، التي شع لها الوجود، وانبلج لها فجر الزمان.
فَأَقْبَلَ الْفَجْرُ مِنْ خَلْفِ التِّلالِ وَفِي عَيْنَيْهِ أَسْرَارُ عُشَّاقٍ وَسُمَّارِ
تَدَافَعَ الْفَجْرُ فِي الدُّنْيَا يَزِفُّ إِلَى تَارِيخِهَا فَجْرَ أَجْيَالٍ وَأَدْهَارِ
كَأَنَّ فَيْضَ السَّنَا فِي كُلِّ رَابِيَةٍ مَوْجٌ وَفِي كُلِّ سَفْحٍ جَدْوَلٌ جَارِي
ونص القصة كما في الصحيح عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - قال:"جاء إبراهيم - عليه السلام - بأم إسماعيل وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعها عند البيت عند دَوحةٍ فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هناك، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قفَّى إبراهيم منطلقًا، فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي، الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟! فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، قالت له: آالله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذًا لا يضيعنا، ثم رجعت، فانطلق إبراهيم - عليه السلام - حتى إذا كان عند الثنية، حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات، فرفع يديه فقال: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} حتى بلغ {يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37] ."