لا شكَّ أنَّ أيَّ مسؤول عسكري - أو غير عسكري - يتمتع بالصفات التي ذكرناها؛ لابُدَّ أن تكون علاقته مع أهل البلد التي يعمل بها من أفضل العلاقات، لاسيما إذا كان البلد ينتمي للدين والثقافة التي ينتمي إليها المسؤول؛ فعلاقة محمود شيت خطاب بأهل جنين كانت من أقوى العلاقات، فبعد سنة قضاها هناك؛ صار كأنه من أهل البلد، يستشيرونه في أمورهم، ويدعونه إلى حفلاتهم، ويحضر أفراحهم، وقبلها أتراحهم، يتناول الطعام معهم، وما إلى ذلك من أواصر المحبة والصداقة، يقول في تقديمه لكتاب صالح مسعود أبو بصير"جهاد شعب فلسطين خلال نصف قرن":
"لم أكن غريباً عن أهل فلسطين عندما قدمتها مع الجيش العراقي الذي استقر في المثلث العربي: (نابلس - طولكرم - جنين) ؛ ولكنني بعد مكوثي فيها سنةً كاملةً؛ ازددت علماً بها، فربطتني بأهلها - خاصةً أهل جنين الكرام - روابط من الصداقة، والثقة المتبادلة، والحب الصادق، تلك الروابط التي لا تزداد مع الأيام إلا قوةً ومتانةً، فكنتُ أتَّصلُ بهم بالرسائل، وأرعى أولادهم من التلاميذ والطلاب، الذين يدرسون في مدارس العراق ومعاهده وجامعاته."
كانت رسائلهم تردني تباعاً - كل يوم تقريباً - قبل نكبة 5 حزيران (يونيو) 1967، وكان أكثرهم يحلُّ ضيفاً بداري ببغداد كلما زاروا العراق، وكان أولادهم ولا يزالون أولادي، يزوروني وأزورهم، ويعرضون عليَّ مشاكلهم كلما حزبهم أمرٌ من الأمور، فإذا غابوا عني مدة من الزمن، فتَّشت عنهم في مدارسهم ومعاهدهم وكلياتهم؛ أسائلهم عن دروسهم، وأتسقَّط أخبار أهلهم، فأفرح لفرحهم، وأحزن لحزنهم، وما أكثر أحزانهم وأقل أفراحهم اليوم!
ذكرتُ ذلك لأني أريد أن أنبه على ما طوَّقني به وطوَّق به أهلُ جنين الأكارم كلَّ العراقيين، من فضلٍ لا يُنسى أبداً.