ومن أقبح مظاهر العقوق التي نشاهدها في مجتمعاتنا المعاصرة اليوم: أن يتبرأ الولد من والديه، حين يرتفع مستواه الاجتماعي، وتلك صفات وضيعة، وضعف ديني، وخلق دنيء. والكثير من الفقهاء يرون تحريم تبرؤ الابن من أبويه لما رواه معاذ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث يقول: (( من العباد عباد لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولا يطهرهم. قيل: ومن أولئك يا رسول الله؟ فقال النبي: المتبرئ من والديه ) ).
وقد قرن القرآن الأمر بعبادة الله وعدم الشرك به بالإحسان للوالدين حيث يقول سبحانه: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} [النساء:36] وقوله أيضاً: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} [الإسراء:23] وتكتمل الصورة المشرقة في أمر الله بقول النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه: (( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين ) ).
حيث تفضل عليه الصلاة والسلام فجعل عدم بر الوالدين قرين الإشراك بالله، وبذلك أفاض أمر الله ورسوله هالة من القداسة والإجلال على علاقة الأبناء والبنات بالآباء، وبسط على الوالدين جناحاً من الرحمة؛ كما في قول الباري سبحانه: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [الإسراء:24] ، ومن هذا وغيره نجد أن إكرام الوالدين وإبراز حقوقهما في دين الله الكريم يبلغ أقصى درجة يتصورها الفكر الواعي، والضمير الحي، ويدين بها الوجدان الصادق، والنفس المؤمنة.
ويؤكد ذلك أيضاً ما يراه جمهور الفقهاء من أنه يحرم على الإنسان المسلم أن يخرج للجهاد في سبيل الله-في غير الحالات المتعينة عليه- بغير موافقة والديه ورضاهما؛ حتى لا يتضررا بفقد رعايته لهما، ولا يشق عليهما غيابه عنهما.