طَوَى الْجَزِيرَةَ حَتَّى جَاءَنِي خَبَرٌ فَزِعْتُ فِيهِ بآمَالِي إِلَى الكَذِبِ
حَتَّى إِذَا لَمْ يَدَعْ لِي صِدْقُهُ كَذِبًا شَرِقْتُ بالدَّمْع حتى كاد يَشْرَقُ بي
فلما توفي أعلن المتوكل في الناس أن عليهم أن يُشَيعُوا الجنازة ففتحت الثكنات العسكرية لجيش الخليفة، وحملت الجنازة صباحًا، فما وصلت إلى المقبرة إلا عصرًا، لكثرة الزحام، فقد شيَّعه كما يقول أهل العلم مليون وثلاثمئة ألف: [ألف ألف وثلاثمئة ألف] . وتوقف اليهود والنصارى من بيعهم ذاك اليوم، وهبت رياحٌ على بغداد، حتى ظنَّ بعض الجهلة أن القيامة قد قامت، وخرج الجيش - وقوامه تسعون ألفًا - في مقدمة الناس يرتِّبون الصفوف، وبكت بغداد على بكرة أبيها فراق هذا الإمام الرباني، ووصلت جنازته حتى قال بعض أهل التاريخ: كانت تذهب الجنازة على رؤوس الناس تحمل على الأصابع وتعود إلى المؤخرة، وتذهب وتأتي، فلما وضعت ارتفع البكاء وقام الناس يصلون عليها: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر: 27-30] دفن جسده ولكن ما دُفن علمه، ولا تواضعه، ولا زهده، ولا ذكره الحسن، أبقى الله له ذكرًا حسنًا في قلوب أتباع محمد - عليه الصلاة والسلام - من أهل السنة والجماعة نضَّر الله وجوههم.
قال ابن كثير: رآه كثير من الصالحين تلك الليلة التي توفي فيها فقالوا: ما فعل الله بك؟ قال: ناداني فقال: يا أبا عبدالله الحقْ بأبي عبدالله، وبأبي عبدالله وبأبي عبدالله، قلت: مَنْ هم؟ قال: بالشافعي، وسفيان الثوري، والإمام مالك، كلهم أبو عبدالله: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} [الأحقاف: 16] .
* أيها الناس: