وذلك لقوله تعالى [62] : {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} والإمتناع عن إرضاعه وهو لا يجد غيرها مضارة له، وهو لا يجوز مما يدل على وجوب إرضاعها له إذا تعين عليها.
ولأنه إذا وجبت على الأب نفقته وولادته له من جهة الظاهر فوجوب نفقته على الأم إذا تعين عليها أولى. لأن ولادتها له من جهة القطع [63] وهذا هو الأوْلى خلافاً لظاهر رواية الحنفية أن الأم لا تجبر على إرضاعه لإمكانية تغذيته بغير لبنها والقول بالوجوب هو الراجح عندهم [64] .
وقالوا: إذا لم يكن للأب ولا للولد مال فتجبر الأم على إرضاعه عند الكل. وقيل: تجعل الأجرة ديناً على الأب [65] وقال بهذا المالكية [66] .
وذهب الحنفية أنه إذا لم يكن للولد أب أو جد فتجبر الأم بالإتفاق على الإنفاق على ولدها دون أن ترجع بالنفقة على أحد [67] .
وإلى هذا ذهب الحنابلة، لأنها أحد الوالدين فأشبهت الأب ولأن بينهما قرابة توجب رد الشهادة ووجوب العتق فأشبهت الأب [68] وإيجاب الإرضاع على المرأة إنما هو باعتبار أن المرأة الموسرة تجبر على ما يجبر عليه الرجل من نفقة الأقارب، لأن هذا الإستحقاق إنما يكتسب بطريق الصلة فيستوي فيه الرجال والنساء كالعتق عند الدخول في الملك [69] .
والمالكية لا يجب عندهم على الأم نفقة لولدها - في غير الرضاع مع وجود الأب ولا مع عدمه فقيرة كانت أم غنية [70] وشذ عنهم ابن المواز [71] فأوجب النفقة على الأم في الرضاع وغيره [72] .
أما في الرضاع فقالوا: إن لم يكن لها لبن فإنها تستأجر من يرضعه. وكذا لو كان لها ولا يكفي الطفل، أو مرضت وانقطع لبنها أو حملت لأنه لما كان عليها الإرضاع مجاناً فعليها خلفه فإن لم يكن لها مال في تلك الحالة فمن مال الأب فإن لم يكن له مال فمن مال الإبن [73] .
كما تلزم الأم النفقة عند الحنفية إذا كان معها غير وارث للولد كالجد لأم مثلاً فتلزمها النفقة وحدها لترجحها بالأرث ولقربها [74] .
المبحث الرابع: بذل الأجرة للمرضع ولدها بعصمة زوجها.