ولقد عمد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أسلوب بديع في إصلاح أخلاق قومه، وهو ما يصح أن يطلق عليه (التخلية والتحلية) ؛ حيث كان يخلِّي ويفرِّغ الأمثال والعبارات التي تدور على ألسنة الناس من مضامينها الفاسدة؛ ثم يقوم بتحليتها بالأخلاق الإسلامية الحسنة، ومن أمثلة ذلك: تغييره مضمون العبارة"انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"؛ فقد كانت العرب تعني بها الوقوف إلى جانب القريب، ولو كان على الباطل؛ فأفرغ النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا اللفظ من معناه الفاسد، وحلاَّه بمعنى صحيح حسن، فعن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً ) )؛ فقال رجل: يا رسول الله، أنصُرُه إذا كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالماً؛ كيف أنصره؟! قال: (( تحجزه - أو: تمنعه - من الظلم، فإن ذلك نُصْرَة ) ) [12] .
وبهذا غيَّر النبي - صلى الله عليه وسلم - القالَب وأبقى عل القالِب، وكذا في قوله: (( ليس الشديد بالصُّرَعَة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ) ) [13] .
بهذه العبارات الموجزة غيَّر النبي - صلى الله عليه وسلم - مفاهيماً طالما كانت له آثارها المدمرة في ذلك المجتمع، من الحروب وغيرها، فالرغبة في الاتِّصاف بالقوة وشدة البأس كانت طاغية عند العرب، وشِعْرهم وأيامهم أكبر دليل على ذلك، فيحوِّل النبي - صلى الله عليه وسلم - أنظارهم إلى معنى آخر للشدَّة، هو العكس تماماً للمفهوم الأول، الذي يدعو للبطش بالآخرين؛ إظهاراً للقوة، وتفاخراً بسرعة الغضب.
فهذه بعض الوقفات مع منهج النبي - صلى الله عليه وسلم - في تربيته المجتمع على الأخلاق الإسلامية الفاضلة، وهو منهجٌ لا يمكن سَبْرُه في مثل هذا المقال، ولأهمية هذا الموضوع يجدر بالباحثين أن يعطوه ما يستحق من الاهتمام،، والله الموفق.
ـــــــــــــــــــــــ
[1] (جامع البيان: 10/627) .
[2] (تفسير القران العظيم: 2/599)