ويرى علماء الاجتماع أن (( اللغة ) )تجعل من الأمة الناطقة بها كلاً متراصاً يخضع لقانون واحد، وأنها الرابطة الحقيقية الوحيدة بين عالم الأذهان وعالم الأبدان، وهي نظرية تصدُقُ على لغتنا العربية كما يقول الدكتور عثمان أمين - أكثر مما تصْدُق على أية لغة أخرى. فاللغة العربية عظيمة الأثر في تكوين عقليتنا، وهداية سلوكنا، وتصريف أفعالنا. ذلك أنها تمتاز على اللغات الأخرى (( بمثالية ) )عميقة صريحة، تحسب حساب الفكرة والمثال وتضعهما مكانَ الصدارة والاعتبار.. أي أن لغتنا العربية تفترض دائماً أن شهادة الفكر أصدق من شهادة الحس، ويكفي في التعبير بها إنشاء علاقة ذهنية بين المسند والمسند إليه، دون حاجة إلى فعل الكينونة الذي هو لازمة ضرورية في اللغات (( الهندو - أوربية ) )ودون الحاجة إلى التصريح بضمير المتكلم أو المخاطب أو الغائب، لأن الذات متصلة دائماً بالفعل في نفس تركيبه الأصلي.
ويقول ابن خلدون:"الملكات الحاصلة للعرب أحسن الملكات وأوْضحها إبانةً عن المقاصد لدلالة غير الكلمات على كثير من المعاني، مثل الحركات التي تعيَّن الفاعل من المفعول والمجرور - أي المُضاف - ومثل الحروف التي تُغضي بالأفعال إلى الذوات من غير تكلف ألفاظ أخرى.. ولا يوجد ذلك إلا في لغة العرب. وأما غيرها من اللغات فكل معنى أو حال لابد له من ألفاظ تخصه بالدلالة، ولذلك نجد كلام العجم في مخاطبتهم أطول مما تقدره بكلام العرب..".
حقيقة التلازم بين الإسلام والعربية
والآن نتحدث عن حقيقة الارتباط الوثيق بين اللغة العربية والإسلام، وأسراره وآثاره.. إن الواقع التاريخي للغة العربية وللدين الإسلامي - خلال أربعة عشر قرناً - يثبت حقيقة التلازم والارتباط بين انتشار كل منهما وازدهاره بمساعدة الآخر.
هذا إلى جانب حقيقة أخرى واضحة وثابتة هي: أن في كل من الدين الإسلامي واللغة العربية من القوة الذاتية والاستعداد الأصيل ما يكفل له الغلبة والانتصار.