فهرس الكتاب

الصفحة 7449 من 19127

إذًا فالنيران ينكسفان تخويفًا للعباد، والتخويف إنما يكون بوجود سبب الخوف، فعُلم أن كسوفهما قد يكون سببًا لأمر مخوف، والله - تعالى - يخوف عبادَهُ بآياته: {وَمَا نُرْسِلُ بِالآَيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا} [الإسراء: 59] فعلم أن هذه الآيات السماوية قد تكون سبب عذاب؛ ولهذا شرع للنبي - صلى الله عليه وسلم - عند وجود سبب الخوف ما يدفعه من الأعمال الصالحة [3] .

وليس ذلك يمنع معرِفَةَ وَقْتِ حُدوثِ الكُسوفِ من قِبَلِ أَهْلِ الهَيْئَةِ والفَلَكِ بما يعملونه من حساباتٍ، يُعرف بِها وقت حدوثه ومدته، ووقت انجلائه، وهذا ما قرَّرَهُ شَيْخُ الإسلامِ ابْنُ تَيْمِيَّة - رحمه الله تعالى- بقوله:"فإذا كان الكسوف له أجلٌ مُسَمًّى لم يناف ذلك أن يكون عند أجله يجعله الله - تعالى - سببًا لما يقتضيه من عذابٍ وغيره لمن يعذب الله في ذلك الوقت، أو لغيره ممن يُنْزِلُ الله به ذلك. كما أنَّ تعذيبَ الله -تعالى - لِمَنْ عذَّبَهُ بِالريح الشديدة الباردة؛ كَقَوْمِ عادٍ كانتْ في الوَقْتِ المُناسِبِ، وهو آخر الشتاء" [4] .

وقال ابن دقيق العيد:"ربما يعتقد بعضهم أن الذي يذكره أهل الحساب ينافي قوله: {يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ} [ الزمر: 16] وليس بشيء؛ لأن لله - تعالى - أفعالاً على حسب العادة، وأفعالاً خارجة عن ذلك، وقدرته حاكمة على كل سبب، فله أن يقتطع ما يشاء من الأسباب والمسببات بعضها من بعض. وإذا ثبت ذلك فالعلماء بالله - تعالى - لقوة اعتقادهم في عموم قدرته على خرق العادة، وأنه يفعل ما يشاء إذا وقع شيء غريب حدث عندهم الخوف؛ لقوة ذلك الاعتقاد؛ وذلك لا يمنع أن يكون هناك أسباب تجري عليها العادة إلى أن يشاء الله خرقها، وحاصله أن الذي يذكره أهل الحساب حقًّا في نفس الأمر، لا ينافي كون ذلك مخوفًا لعباد الله - تعالى -" [5] ·

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت