ومن طبيعة البشر أنهم لا يبذلون المال بلا عوض، ولا ينفقونه من دون عوائد دنيوية أو أخروية يرجونها من وراء إنفاقهم {وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ} [النحل:71] .
ولما كان حال الناس كذلك؛ شرع الله تعالى لهم من الأحكام الشرعية المباحة ما يكون عونا لهم على تبادل المال من البيع والشراء والهبة والإهداء والصدقة والقرض الحسن وغير ذلك مما هو عوض عن التبادل المحرم من الربا والرشا والاحتكار والسرقة والغصب والنهبة وغير ذلك.
والفقير قد يحتاج إلى المال في وقت لا يجده، والغني قد لا يجد من يشتري بضاعته بالعاجل، فأحل الله تعالى المداينة بين الناس، وبيع حاضر بآجل، وفق شروط وضوابط تسد حاجة المحتاجين، وتمنع الوقوع في الحرام {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة:282] وبفضل هذا التشريع العظيم يسد الفقراء حاجاتهم المستعجلة، ويروج التجار بضائعهم الكاسدة، وتدور الأموال بين الناس.
والقرض الحسن له منزلة من الدين عظيمة، وقد رتب عليه عظيم الأجر والثواب باحتساب إقراضه لأخيه من الصدقات مع أنه لا ينقص من ماله شيء، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة.
ولما كان المال عزيزا على الناس، يعدلونه بنفوسهم، ويستهلكون في تنميته جهدهم وأوقاتهم، ويدافعون عنه بأرواحهم، ومن قتل دون ماله فهو شهيد كما أن من قتل دون نفسه فهو شهيد؛ فإن الشريعة الغراء شرعت ما يحفظ لأهل الحقوق حقوقهم بعقود يجب الوفاء بها، ويعاقب من أخل بها بعقوبات في الدنيا والآخرة.