لقد كان قرارُ أبي لهب عم النبي -صلى الله عليه وسلم- القاضي بعداء الدعوة والوقوف في وجهها قراراً مهلكاً أورثه ناراً ذات لهب، ولا تزال الألسنُ تردِّد ما أنزل الله بخسرانه على مدى العصور والدهور ما بقي على وجه الأرض إنسان يتلو من القرآن سورة المسد، وكان من أجبن قراراته قرارُه يوم جمع النبي -صلى الله عليه وسلم- قومَه، وعرض عليهم الإسلام، وطلب منهم حمايته، فلم يتخلف أحد من قومه عن حمايته مسلمِهم وكافرِهم، إلا أبا لهب فهو الوحيد الذي اختار القرار الجبان، وسار عكس التيار!
وكان قرار امرأة لوط -عليه السلام- قراراً جباناً؛ حين خانت زوجها، وعصت ربها في بيت توافق أهله على الإسلام، وتعاهدوا على الإيمان، وكانت هي الكلمة الشاذة في ذلك البيت النبوي؛ قال الله تعالى: {فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين} [النمل: 57] .
إن من الشجاعة الوقوفَ أمام الباطل وإشهار سيف الحق في وجهه، ولو كان المرء وحيداً لا نصير له إلا الله تعالى {وكفي بالله ولياً وكفي بالله نصيراً} [النساء: 45] ، كما فعل إبراهيم عليه السلام أمام طغيان النمروذ بن كنعان، وكما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- أمام اعتداءات أهل مكة وأذاهم؛ وبذات القدر فمن الجبن والخزي أن يقف المرء وحيداً يصارعُ أمواج الخير سابحاً عكس تياره كما يحلو لبعض الناس في شهر رمضان.
إن كثيراً من الناس لو وُصِف بالجبن لتهيُّبه في بعض المواطن لغضب، وربما اعتدى على من أطلق عليه هذا الوصف، وربما حمل نفسه حملاً على اقتحام المخاطر حتى ينفي تلك التهمة عن نفسه، وذلك لتمام إقراره بأن تهيب المخاطر جبن، ولكنه يستغرب إن وصفه أحد بالجبن لغلبة شهواته عليه، وضعفه أمام نزواته، مع أن الجبن يدخل فيه أصالةً ضعفُ المرء أمام شهواته وإحجامه عن سلوك الصراط السوي.