وإنَّما كان نشرُ الموضوعات بهذه الخطورة؛ لأنَّ فيه نسبةَ كلامٍ إلى نبيٍّ هو المبلِّغ عن الله شرعَه، والموضِّح للنَّاس أعظمَ كتاب وهو القرآن الكريم، فتكون نسبةُ الأحاديث إلى مبلِّغ الشَّرع الكريم نسبةً إلى الشَّارع الحكيم، وهو من جنس ما كان يفعلُه أحبار اليهود وقساوسةُ النّصارى من تحريفِ كتب الله المنزَّلة وعَزوِها إلى الله تعالى، وقد قرَّر ربُّنا سبحانه هذه الحقيقةَ في كتابه الكريم: {فَوَيلٌ للَّذينَ يكتُبونَ الكِتابَ بأَيديهِم ثمَّ يَقولونَ هَذا من عِندِ اللهِ لِيَشتَروا بهِ ثَمناً قليلاً، فَوَيلٌ لهُم مِمَّا كَتَبَت أَيديهِم ووَيلٌ لهُم ممَّا يَكسِبونَ} [البقرة: 79] ، فأيُّ فرقٍ بين من يحرِّف كلاماً ويقول: هذا كلامُ الله، ومَن يختلق خبراً موضوعاً ويقول: هذا كلامُ رسول الله، ولهذا أخبر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أمَّته أن الكذبَ عليه ليس كالكذب على سائر النّاس: (( إنّ كَذِباً عليَّ ليس ككَذِبٍ على أَحَد، من كَذَبَ عليَّ مُتعمِّداً فَليَتَبَوَّأ مَقعَدَه منَ النَّار ) ) [1] ، كما أنبأ الله نبيَّه محمَّداً عن أناس في آخر الزَّمان يَختلقون الأحاديثَ المكذوبة: (( يكونُ في آخرِ الزَّمان كذَّابونَ يأتونكُم من الأحاديثِ بما لم تَسمَعوا أنتُم ولا آباؤُكم فإيَّاكم وإيَّاهم، لا يضلُّونَكم ولا يفتنوكم ) ) [2] ، والأحاديثُ في التحذير من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرةٌ، وهي تُرشد إلى خُطورة التساهُل في اختلاق الأحاديث ونسبتها إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وتُنبِّه كلَّ كاتبٍ في فنِّه أن يَحذرَ غايةَ الحذر من الاستدلال بحديثٍ دون التحقُّق من ثُبوته عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم.