وفرض الصورة العكسية يبين لك الأمر أكثر، لو اجتمع ثلاثون ألفاً من مشركي العرب، أمام ربع مليون - أو يزيد - من الروم والعرب، هل كانوا ينتصرون؟
لم يكونوا ليجتمعوا أولاً، وإن اجتمعوا، ما كانوا ليفكروا في غزوهم، وإن غزوهم، ما ثبتت أقدامهم ساعة.
ولتستبين قولي، ولتعلم أن العقيدة هي المحرك الأساسي، وهي التي صاغت خالداً وغير خالد من قادة الأمة؛ راجع الآيات التي تتكلم على المنافقين وقت القتال، مثل قول الله - تعالى: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} [الفتح:11] ، وقوله - تعالى: {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَإِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [ الأنفال: 49 ] ، وقوله - تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً} [الأحزاب:12] .
من تكلموا في هذه الآيات من المنافقين كانوا من جنس المسلمين، لا يختلف بعضهم عن بعض في الصفات الخارجية، ولكن خُلِعَ قلب هؤلاء حين جاء الخوف؛ لأنهم لم يؤمنوا، ولم تستقر حقائق الإسلام في قلوبهم، ولم يستيقنوا أن الفرار لن ينفعهم، وأنه لا عاصم من الله إن أراد بهم ضراً ؛ ولذا راحوا يبحثون عن مخرج، حين جاء الخوف.
أما الصادقون المستيقنون؛ فأقدموا، وصبروا، واحتسبوا، وعلموا أنه النصر، وأنهم إن لم يدركوه هم، فمَن بعدهم.
أبواب دون أبواب: