ثم حَكَمَ الرومان اليونان، ولم يكن لدى الرومان فكر وفلسفة، وإن امتازوا بالقوة، وصفات الجندية، لذلك غلبت عليهم المدنية اليونانية، فاستخفوا بالدين، وتهالكوا على اللذات، وقدَّسوا القوة، والاستغلال، وكانوا رغم وجود المعابد وتعبدهم فيها - أحياناً - بالرقص والغناء والألعاب - التي كانت طريقة اليونان في عبادتهم أيضاً - لا بالتذلل والخشوع والتضرع - كانوا رغم ذلك - يرفضون تدخل الآلهة وممثليها من رجال الدين في شؤون حياتهم ونظامها. (وكان - كما يقول سيسرو - الممثلون يُنشِدون في دور التمثيل أبياتاً معناها أن الآلهة لا دخل لها في أمور الدنيا، فيصغي إليها الناس ويسمعونها بكل رغبة) [1] .
وهكذا صارت تقوم حياتهم المعاشية بعيداً عن دينهم، تابعة للأمزجة الخاصة، ولقوانين الدولة الرومانية ونظمها.
النصرانية في أوروبا:
دخلت النصرانية إلى أوروبا من خلال بعض دعاتها، ومالت إليها قلوب بعض الناس - خاصة العامة - وإن كان آخرون قد استنكفوا أن يقبلوا ما فيها من تصورات تكدَّر صفو ماديتهم المفرطة، فقد ذُكِر أن جماعة من الفيثاغوريين دعوا أحد دعاة النصرانية إلى مجمعهم ليحدثهم عن هذا الدين، فلمّا حدثهم عن اليوم الآخر، وما فيه من بعث وحشر.. سخروا من حديثه ودينه [2] .
وحينما تولى الملك قسطنطين الذي اعتنق النصرانية في مستهل القرن الرابع الميلادي نَصَرَ هذه الديانة، وجعل كلمتها عالية، وسخَّر حكمه لنشر النصرانية، ولكن أي نصرانية هذه؟.
إن النصرانية التي دخلت أوروبا على يد (بولس - رسول الأمم) ليست هي النصرانية التي دعا إليها المسيح - عليه الصلاة والسلام - فقد أفسد فيها هذا اليهودي الذي كان يحاربها، ثم انقلب داعية إليها، وانحرف بها عن مسارها التوحيدي الخالص [3] .