إن أمر الصيام موكول إلى نفس الصائم، لا رقيب عليه إلا الله - جلت قدرته - فإذا ترك الصائم شهواته، التي تعرض له أثناء الصوم امتثالاً لأمر الله تعالى، ورَاضَ نفسَه على الصبر كلما أغرتها الشهوات شعورًا منه بأن الله - تبارك وتعالى - يراقبه، وأنه مطلع على سر نفسه، وتكرر منه ذلك شهرًا كاملاً، فلا جرم أن يحصل له من تكرار هذه الملاحظة المصاحبة للعمل ملكةُ مراقبة الله تعالى وخشيته، والحياء من الله أن يراه حيث نهاه.
إن التقوى: حساسية في الضمير، وصفاء في الشعور، وشفافية في النفس، ومراقبة دائمة لله تعالى.
والمؤمنون الذين خاطبهم الله تعالى في القرآن الكريم يعلمون مكان التقوى عند الله، ووزنها في ميزانه، وقوة تأثيرها، وحسن نتائجها في أعمالهم السياسية، والاقتصادية والاجتماعية والثقافية مما يحصلون به على السعادة الصحية، والحياة الطيبة في الدارين، فهي غاية تتطلع إليها أرواحهم فتندفع إليها بقوة.
وهذا الصوم أكبر حافز لتحصيلها، وخير أداة من أدواتها، وأحسن طريق موصل إليها، ومن ثم يرفعها سياق القرآن الكريم في ختام الآية لفرضية الصيام أمام عيونهم وقلوبهم هدفًا وضَّاء ينهجون إليه عن طريق الصيام.
الصيام تربية للإرادة:
لا توجد عبارة من عبارات الإسلام تشحذ الإرادة وتقويها كالصوم؛ لأن الصائم لا تفتأ نفسه الأمارة تزين له الشهوة وتغريه بالملذات، فيحتاج في قهرها وإلزامها سبيل الطاعة إلى إرادته كسلاح حاسم بتار، وما أشبه الصائم بجندي في معركة، سلاحه فيها إرادته المصممة، ويوم يضعف هذا السلاح؛ ينهزم الصائم في معركة الصوم، وما يزال الصائم يستخدم إرادته في قهر نفسه؛ حتى تصبح بالممارسة العملية سلاحًا بتارًا قويًّا يستصحبه في غير رمضان من شهور العام.