كما تتميز هذه السنن بالعموم، فهي تنطبق على الناس جميعاً، بغض النظر عن أديانهم، وجنسياتهم، فأي مجتمع أخطأ أو انحرف لقي جزاء خطئه أو انحرافه، ولو كان هو مجتمع الصحابة أو مجتمع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحسبنا في هذا ما دفعه الصحابة ثمناً لخطئهم في غزوة أُحُد، وهو ما سجله القرآن عليهم بوضوح في قوله: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} ، وبين في آية أخرى هذا الذي عند أنفسهم بقوله: {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ} .
وأمَّا القول بأن التاريخ وقائع غير ثابتة الصحة، فقد يصدق هذا على بعض الوقائع الجزئية، أمَّا الاتجاهات العامة، والأحداث الأساسية معروفة وثابتة بيقين بأكثر من دليل، على أن تلك الوقائع التي يحيط بها بعض الريب لا يصعب على أهل الذكر تمحيصها، وتمييز الخطأ من الصواب فيها، والثابت من المختلق أو المبالغ فيه منها.
على أننا لا نعني بالتاريخ تاريخ المسلمين فحسب، بل تاريخ البشرية حيثما عرف، وتاريخ الأمم في أي أرض كانت، وفي أي عصر كانت، وعلى أي ملة كانت، مسلمة أو غير مسلمة، فالعبرة لا تؤخذ من سير المؤمنين وحدهم، بل تؤخذ من المؤمن والكافر، ومن البر والفاجر ؛ لأن الفريقين تجري عليهما سنن الله بالتساوي، ولا تحابي هذه السنن أحداً شأنها شأن السنن والقوانين الطبيعية، فقوانين الحرارة والبرودة، والغليان والانصهار، والضغط والانفجار، قوانين كونية عامة، تتعامل مع الموحدين تعاملها مع الوثنيين.
بل نحن لا نفهم القرآن كما ينبغي، ولا نعرف فضل الإسلام تماماً، ما لم نعرف ماذا كانت عليه الجاهليَّة من ضلال، أشار إليه القرآن بمثل قوله: {وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} ، وقوله: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُم مِّنْهَا} .