وهذه النِّهْمة في الطَّلب والبحث تذكِّرُنا بفعل السَّلف الصالح - رحمهم الله تعالى ورضي عنهم. ولم يكتفِ الشيخ - رحمه الله - بذلك؛ بل أزعجه أنه لا يستطيع المطالعة والبحث إلاَّ في أوقات عمل المكتبة، وليس عنده منَ المال ما يشتري به الكتب؛ فاتَّفق مع صاحب كُبريات المكتبات التجارية في دمشق على أن يستعير منه بعض الكتاب، ويرجعها حال انتهائه منها، وإن جاء مَنْ يرغب شرائها أعادها فورًا، وبهذا صار يقضي جلَّ وقته مع كتب الحديث وعلومه [3] .
ما منعه الفقر من طلب العلم، ولا ردَّه عدم امتلاكه للكتب عن مطالعتها؛ بل اخترع الطرق والأساليب التي جعلته لصيقًا بالكتب.
ومن عجيب أخباره - رحمه الله تعالى: أنه ما كان يجد قيمة الورق الذي يكتب فيه أبحاثه؛ فكان يطوف في الشوارع والأزقَّة؛ يبحث عن الأوراق السَّاقطة فيها هنا وهناك؛ ليكتب على ظهرها؛ لأن وجه الورقة عادةً يكون مليئًا بالكتابة! وقال - رحمه الله تعالى:"كنت أشتري الأوراق بالوزن لرخصه" [4] .
الله أكبر! همة عالية، وشغفٌ بطلب العلم وتدوينه، ما قعد واعتذر بالفقر، ولا ضيَّع وقته كما كان يفعل كثير من أقرانه؛ بل جدَّ في الطَّلب، واجتهد وثابر؛ حتى كان حصيلة ذلك عشرات الكتب النافعة في تخريج حديث رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وخدمته، وتيسير وصول الطلاب إليه بصنع الفهارس المتعدِّدة، والذبِّ عن السُّنَّة النبويَّة، والوقوف في وجوه المشكِّكين فيها، وتنقية الكتب من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وبيان المقبول والمردود من الحديث، ومَنْ ذبَّ عن سنَّة نبيِّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - ذبَّ الله عن وجهه النار يوم القيامة.
رحم الله الشيخ، وعفا عنه، وجَبَر مُصاب المسلمين فيه، وجمعنا به في دار كرامته؛ إنه سميعٌ مجيبٌ.