وكانت مجالسة الشيخ في تلك السهرة لا تمل، فهو قطب السهرة، وهو ينتقل في حديثه - على طريقة الجاحظ - من موضوع إلى خبر إلى شعر، ويتخلل ذلك نوادره التي منها ما يحفظه، ومنها ما يكون مما حدث معه في حياته المديدة، سواء في سلك القضاء، أم في سلك التعليم، أم في مخالطته للناس خارج إطار الوظيفة التي تحدث في ذكرياته عن كثير من نوادره الواقعية في أثنائها.
ومع أن سهرتنا مع الشيخ كانت في منزل صديق عزب فإنها كانت تتخذ أحياناً صورة تسمى بالدور، وهنا أذكر من طرائف الشيخ التي كانت بديهته تدفعه إليها، فتولد في لحظة سريعة أن دور السهرة كان في منزلي، وكان أن جلسنا على السطح، وقد صفا الجو، وطابت نسمات الصبا في ليالي الرياض، ولما فرغ الضيوف مما يقدم عادة في مثل تلك السهرة ناديت الخادمة التي كانت تعمل في منزلي، وكانت تسمى غزالة، ولما سمعني الشيخ أردد قولي: يا غزالة تعالي خذي السفرة، إذا به يقول: أي غزالة تلك التي تناديها، والله ما يحمل هذه السفرة إلا حمار، فكيف تحملها غزالة؟! وضحك الضيوف الكرام حين رأوني لا أمد يدي لحمل السفرة التي لا يحملها في رأي الشيخ إلا حمار.
وكان الشيخ على سجيته في تلك السهرة لا يتكلف، ولا يتورع أن يكون مثل شبيهه الجاحظ فيورد من النوادر ما يخطر على باله دون تحرج، وكان معنا صديق يميل إلى الرّصانة والشدة، فقال له: يا شيخ على: إنه لا يليق أن تذكر من النوادر ما لا يليق بمقامك. واستجاب الشيخ فوراً وقال له: أرجو أن تكون أميراً على. حتى إذا رأيتني أقول ما لا تراه لائقاً نبهتني فارعويت. وقبِل الزميل هذه الإمارة على الشيخ، فما مضت برهة من الوقت حتى خطرت على ذهن الطنطاوي إحدى تلك النوادر التي لا تعجب الزميل المتشدد، فقال الطنطاوي: بالإذن من الأمير سأقول هذه النادرة، ثم تكرر ذلك الاستئذان في تلك السهرة مرات ومرات، وعندئذ قال الزميل: اشهدوا أني استقلت من هذه الإمارة التي (تبهدلتُ) بها.