مشهد يهدم الفروق كلها، فروق الطبقات، وفروق الألوان، وفروق الأجناس، الناس كلهم إخوة لا ميزة لأحد على أحد إلا بالعمل الصالح، وإذا كان اللباس الرسمي في الحفلات والمواقف الرسمية ما تعرفون، فاللباس الرسمي هنا قطعتان من قماش فقط، لا خياطة، ولا أناقة، ولا زخرف، ولا يفترق في هذا المقام أكبرُ مَلِك عن أصغر شَحَّاذ.
إنه مشهد عجيب، إنه أُعْجُوبة الأعاجيب.
عشرات وعشرات من آلاف الخيام، تحتها أقوام من كل بُقْعة في الأرض، لا يجمعهم لون، ولا لسان، ولا بلد؛ ولكنهم لا يقفون ساعة حتى يحسّ كلٌّ أنه أخٌ للآخر، أعزُّ عليه من أخيه لأمه وأبيه، إخوان وحَّدتْهُمُ العقيدة، ووحدتهم القبلة، وربما عادى الأخ أخاه حقيقة إن لم يكن دينه من دينه، ومذهبه من مذهبه؛ لأن أُخُوَّةَ الدين والمذهب أقوى من أخوة النسب.
إنهم يَضِجُّون بكل لغة، يهتفون جميعًا، لبيك اللهم لبيك، لبيك إن الحمد لك والملك لا شريك لك، دَعَوْتَنَا فجئنا من أقاصي الدنيا، لم تمنعْنا الجبال، ولا القِفار، ولا البحار، ولم يُمسكنا حُبُّ الأهل والولد، دَعَوْتَنَا إلى القرآن لا قراءةً وترنيمًا وتغييبًا؛ بل عملاً وتطبيقًا، فقلنا: لبيك اللهم لبيك، دَعَوْتَنَا إلى العِزَّةِ والوَحْدَةِ والصدق في القول والعمل، فقلنا: لبيك اللهم لبيك، دَعَوْتَنَا إلى الجهاد، جهاد النفس، وجهاد الكافرين فقلنا: لبيك اللهم لبيك.
لبيك اللهم لبيك، لبيك إن الحمد لك، والملك لا شريك لك.
إن الحج هو الدَّوْرَةُ التدريبية الكبرى، التي تقوي الأجسام والأَرْوَاح، التي تُربِّي الأجساد والقلوب، التي تعد للحق جيشًا جُنده مُتمرِّسُون بالشدائد، حَمّالُون للمَصاعِب، سامُون بأرواحهم إلى حيث لا تستطيع أن تبلغ مداه روحٌ.
إن الحج عَيْشٌ في تاريخ المَجْد في سيرة الرسول، في سماء الإيمان، إنه النهر الذي يغسل أَوْضَار الناس، إنه الرئة التي تُصفِّي الدم، وتَردُّه أحمرَ نظيفًا مملوءًا بالصحة والحياة.