وإن مما لا شكّ فيه أن للحرمينِ الشريفينِ - حرسهما الله - مَنْزِلة مرموقة في أفئدة المسلمين، من التعظيم المَكِين والحبِّ والمتين، وبخاصة المسجد الحرام الذي جعله الله مَثَابةً للناس وأَمْنًا. وليس بخافٍ على أهل الإسلام عِظَم الواجب عليهم تجاه هذه البقعة الشريفة،والحُرُمات المنيفة، ومُراعاة قدسَّيتها وحُرمتها، والتَّحَلِّي بالآداب الشرعية والأخلاق المَرْعِية في عرصاتها، غير أنه لما أفاء الله - وله الفضل والمنَّة - خَيْرَه على عباده، ويسَّر السُّبُل للوصول إلى بيته، وهيَّأ من وُلاة الأمر - وفقهم الله - من يقوم على رعاية قاصدي حَرَمِه الشريف، مع ما أسفرت عنه المدنية المعاصرة من وفْرَة وسائل المُوَاصلات، وسهولة التنقُّل والترحال عبر كافة المركبات، إضافة إلى النهضة العلمية واليقظة الدِّينيَّة، وكل ذلك وغيره أضْحَى أسبابًا وبواعِث ودوافِع لإلهاب مشاعر المسلمين؛ لإعمار بيت الله الحرام، وسَكْب العَبَرات السِّجَام [1] ، وبلِّ صَدَى الشوق والأُوَام [2] ، إنْ عمرةً أو حجًّا أو زيارةً، مما أحدث ظاهرة جديرة بالاهتمام، وعقبة كَأْدَاء في تلك الرحاب، ألاَ وهي"الزحام"، الذي بات قضية مؤرِّقة للمَعْنيِّينَ بالمسجد الحرام؛ كما أضحى أمرًا مُزْعِجًا لقاصدي هذا المكان المبارك، ويبلغ الأمر ذروته ومداه أيام الحج الزُّهْر، ولياليه الغُرِّ، وشهر رمضان المبارك، وخصوصًا في لياليه العشر الطُّهْر، ولا تسأل عن حال الزِّحام في ليلة عظيمة القَدْر، مع ما في الزِّحام من سلبيات تجل عن الحصر، مما يتطلب تشخيصًا لهذه الظاهرة، وتأصيلاً علميًّا وشرعيًّا لها، وبيان أسبابها والحُلول الناجِعَة لها.
ولقد تتبعْتُ جمًّا غفيرًا مِنَ المراجع الأصيلة والمعاصرة، التي تحدثت عن المسجد الحرام، وتاريخه، وأخباره، فلم أُلْفِ فيها عناية بهذه المسألة عمومًا إلا لمامًا.