والرياح تلقح السحب بأمر الله تعالى فينزل الماء، وتلقح الزرع والشجر فيهتز خضرا مثمرا، وتنقل البذور من أرض إلى أرض حتى إذا سُقيت اكتست خضرة وربيعا، ومهما عمل البشر وبكل إمكانياتهم فهم أعجز من أن يزرعوا صحارى تمتد مد الناظرين بساطا أخضر بأنواع النبات الطيب في مشارق الأرض ومغاربها، ولكن الرياح تفعل ذلك بأمر الله تعالى وقدرته وتدبيره {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} [الحجر:22] قال عبيد بن عمير الليثي رحمه الله تعالى: (يبعث الله تعالى المثيرة فتقم الأرض قما، ثم يبعث الله تعالى الناشئة فتنشئ السحاب، ثم يبعث الله تعالى المؤلفة فتؤلف بينه، ثم يبعث الله تعالى اللواقح فتلقح السحاب) .
والرياح سبب بإذن الله تعالى لدورة المياه حول الأرض، ولولا ذلك لأسن الماء، ولم تنتفع به الأحياء، بل إن كل الأحياء على الأرض لو فقدت الرياح لهلكت، يقول كعب الأحبار رحمه الله تعالى: (لو حبست الريح عن الناس ثلاثا لأنتن ما بين السماء والأرض) .
والرياح فيها ما لا يحصى من منافع العباد، وتسير بالسحب التي فيها حياة الأرض، وتذروا البذور، وفيها أرزاق العباد والحيوان والطير، وقد أقسم الله تعالى بها {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالحَامِلَاتِ وِقْرًا} [الذاريات:1-2] فالذريات هي الرياح، والحاملات هي السحب، وفي سورة أخرى {وَالمُرْسَلَاتِ عُرْفًا * فَالعَاصِفَاتِ عَصْفًا} [المرسلات:2] وابن عباس رضي الله عنهما لما وصف جود النبي صلى الله عليه وسلم استعار الرياح المرسلة في وصفه فقال رضي الله عنه (فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة) متفق عليه. وما هذا الوصف من ابن عباس رضي الله عنهما إلا لأن الريح ينتج عنها خير عظيم للأرض ومن عليها.