إن (ثنائية) [القول والقائل] و [الكاتب والمكتوب] من الإشكاليات التي تجعل الحق والمبدأ - وهو يقف (ثالثاً) بصفته محكِّماً - يصيبه الكثيرُ من الظلم والبخس، حينما ينجذب المتلقي (رابعاً) بقوة الرمز [قائلاً وكاتباً] فينساق وراء [قوله وكتابته] مستدبراً الحق وتحكيمه، ولا يدري - وهو يقع تحت هذا التأثير - أنه قام بتأجير عقله وفكره وعواطفه للغير متولياً بالنيابة عنه تحديد ثوابته المختلفة...
وهنا يحضرُني ذلك الاقتراحُ العملي اللطيف بعدم إظهار أصحاب كتاباتنا وبياناتنا؛ ليتولى المتلقي تحديدَ قيمة المحتوى سلباً أو إيجاباً... ولي في ذلك تجرِبة شخصية إبَّان خروج أحد البيانات التي أحدثت هِزَّة فكرية كبيرة، إذ قرأته على بعض الأفاضل النجباء دون تعريفهم بأصحابه؛ فرأيتُ من الاستهجان والامتعاض من محتواه ما أدهشني... فمِنْ قائل: إنه ورقة عمل لأحد مؤتمرات تقارب الأديان!... ومن قائل: إنه مفردة في منظومة الإجهاز على فقه الولاء والبراء من بعض علمانيي زماننا، مشوباً بتمسح مكشوف ببعض الدلالات الشرعية!... ولكنني دهشت أكثر حينما خفَّت النبرةُ وتلطَّف القول من بعضهم لَمَّا عرَفوا من كَتَبَه وتبناه! فبان لي عملياً مدى تأثير الرمز، واستطاعتِه قلبَ المفاهيم أو تجريدها من معانيها، حتى في أصول الحق وثوابته الراسخة؛ ليتسلَّط عليها تشويهاً ومسخاً بكل ما أوتي من أدوات المصلحة، وبعد النظر، والعقلانية، وعدم التهور، وتوظيف كل ذلك كمسوِّغات يَرُوجُ سوقُها كثيراً عند من لا نصيب لهم من العلم والنظر...
وكم كان الإمامُ أحمد - رحمه الله - يحمل حساً موفقاً في التجرد والإخلاص حينما كان ينهى أصحابَه عن تقليده، بل وتعدى ذلك بهجره مَن كَتَبَ فتاواه ومسائلَه؛ كل ذلك خشية من ترميزه، ومن ثم الاشتغال عن الأصل"ولكن خُذْ من حيث أخذوا"...