وسط زحام الأطباء، وعَبْرَ النافذة الصغيرة، التي في باب الغرفة، أرى عيني أختي نورة تنظر إليَّ وأمي واقفة بجوارها, بعد دقيقتين خرجت أمي، التي لم تستطع إخفاء دمعتها.
سمحوا لي بالدخول والسلام عليها، بشرط أن لا أتحدَّث معها كثيرًا.
كيف حالك يا نورة؟ لقد كنتِ بخير البارحة.. ماذا جرى لك؟
أجابتني بعد أن ضغطت على يدي: وأنا الآن والحمد لله بخير. كنتُ جالسة على حافة السرير، ولامست ساقها فأبعدتْه عني، قلتُ: آسفة إذا ضايقتكِ.. قالت: كلاَّ؛ ولكني تفكرت في قول الله:
-تعالى: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} [القيامة: 29 - 30] .
عليك يا هناء بالدعاء لي فربما أستقبل عما قريب أول أيام الآخرة.. سفري بعيد، وزادي قليل!
سقطت دمعة من عيني بعد أن سمعت ما قالت وبكيتُ..
لم أنتبه أين أنا.. استمرتْ عيناي في البكاء.. أصبح أبي خائفًا عليَّ أكثر من نورة.. لم يتعودوا هذا البكاء، والانطواء في غرفتي..
مع غروب شمس ذلك اليوم الحزين.. ساد صمت طويل في بيتنا.. دخلت عليَّ ابنة خالتي.. ابنة عمتي..
أحداث سريعة.. كَثُرَ القادمون.. اختلطت الأصوات.. شيء واحد عرفته
نورة ماتت.
لم أعد أُمَيِّز مَن جاء.. ولا أعرف ماذا قالوا..
يا الله!.. أين أنا؟! وماذا يجري؟! عجزت حتى عن البكاء..
تذكرتُ مَن قاسمتني رَحِمَ أمي , فنحن توأمان.. تذكرتُ مَن شاركتني همومي.. تذكرتُ مَن نفَّستْ عني كربتي.. مَن دعتْ لي بالهداية.. مَن ذرفت دموعها ليالٍ طويلة، وهي تحدّثني عن الموت والحساب..
الله المستعان.. هذه أول ليلة لها في قبرها.. اللهم ارحمها ونوِّر لها قبرها.. هذا هو مصلاها.. وهذا هو مصحفها..
وهذه سجادتها.. وهذا.. وهذا..
بل هذا هو فستانها الوردي، الذي قالت لي سأخبئه لزواجي..