وإذا كان موسى عليه السلام على سمو قدره، ورفعة مكانته يحرص على طلب العلم، فما بالنا نحن الضعفاء المحاويج الجهلة نفرط في طلب العلم، ولا نسلك السبل الموصلة إليه.
يشير الإمام البخاري في الصحيح إلى هذه القصة وإلى هذه الرحلة فيقول: باب ما ذكر في ذهاب موسى في البحر إلى الخضر عليهما السلام [1] ، ثم يشير الإمام البخاري - رحمه الله - إلى هذه القصة وإلى سببها فروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه تمارى هو والحُرُّ بن قيس بن حِصْنٍ الفزاري في صاحب موسى فقال ابن عباس: هو خَضِر، فمرَّ بهما أبيّ بن كعب فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيلَ إلى لقيِّه هل سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر شأنه؟ قال: نعم سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل جاءه رجل فقال: هل تعلم أحداً أعلم منك؟ قال موسى: لا، فأوحى الله إلى موسى: بلى عبدُنا خَضِر، فسأل موسى السبيل إليه، فجعل الله له الحوتَ آية وقيل له: إذا فقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه ) ) [2] . إلى أن لقيه وكان من أمره ما كان.
قصة عجيبة يتجلى فيها شرف الرحلة في طلب العلم، وفضل العلم الذي يُضحّى في سبيله بكل نفيس وغالٍ.
ولقد عرف السلف الصالح هذا الفضل فسهروا الليالي الطويلة وأنفقوا الأعمار النفيسة، لأن العلم - بعد الهداية - شرف ما بعده شرف، وعبادة من أجلِّ العبادات.
هو العَضْبُ المُهَنَّدُ ليس يَنْبُو تُصيبُ به مضاربَ مَنْ أردتَ
وكنزٌ لا تخاف عليه لصّاً خفيفُ الحَمْل يوجدُ حيث كنتَ
يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إنْ به كفّاً شَدَدْتَ
رحل الصحابي الجليل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى مصر إلى مدينة العريش ليكتسب حديثاً واحداً من عبد الله بن أنيس - رضي الله عنه.
ورحل الإمام أحمد شهرين كاملين من بغداد - دار السلام - إلى صنعاء اليمن ليأخذ عشرة أحاديث.