وأول ما يجب على المسلم إدراكه: أن يعرف لِمَ خلقه الله عز وجل. إن إدراك هذه المعرفة يجعله بصيرًا بهدفه، عالمًا بمواقع خطوه، يستمد العون والقوة من مصدرها الذي لا ينفد، ومعينها الذي لا ينضب.
بها تتحدد غايته، وتتضح أهدافه، فينطلق مع سنة الله تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 56- 58] جاعلا كل عمل عبادة، وكل فعل طاعة، فهو دائم الكدح فيما خُلِق له، معرضاً عما سواه، مغتنمًا أيامَ عمره القصيرة مهما طالت، فلا ينفق شيئاً فيما لا يغني أو يفيد.
فالعمرُ أقصر من أن يضيع عبثاً، أو يمضي هدراً، وهو أقصر من أن يحقق فيه المرء كل ما يتمناه. فالعاقل يحرص على تقديم عظائم الأمور، قانعًا بما يصون وجهه في دنياه، مشمّرًا فيما يبلغه آخرته بسلام، وينجيه عند مناقشة الحساب.
وما حاز شيئاً من سلامة العقل من شغلته الدنيا عن الآخرة. وهل يصح -عقلاً- الإعراضُ عن الاستعداد لدار البقاء والخلود الأبدي؟ ثم بذل الجهود والإمكانات لبناء دنيا حكم عليها خالقها بالزوال والفناء! ألا ما أجهلَ مَنْ شَغَلَ نفسَه بشيء مدبر خيره، عن شيء باق شره.
واعلم أخي المسلم: أن الله تعالى خلق الدنيا والآخرة، وجعلهما مراحل ومحطات في حياة الإنسان. والآخرة هي المحطة الأخيرة.
وكل من سلك طريقاً فلا بد أن يلتمس أسباب السّلامة والنّجاة في مسيره، ويتزود من كل مرحلة بما يعينه على اجتياز التي تليها، حتى يبلغ غايته.