بل إنَّ المصطفى - عليه الصلاة والسلام - حين أتاه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه عليه، غضب - عليه الصلاة والسلام - وقال: (أوَ في شكّ يا ابن الخطَّاب ؟! لقد جئتكم بها بيضاء نقيَّة، لا تسألوهم عن شيء فيخبرونكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به. والذي نفسي بيده، لو أنَّ موسى كان حيَّاً ما وسعه إلاَّ أن يتبعني) أخرجه أحمد في مسنده (3/338) ، وابن أبي شيبة في مصنَّفه (6/228) بسند حسَّنه الألباني.
كان ذلك منه - عليه الصلاة والسلام - تربية لأصحابه على أن يكون الينبوع الذي يتلقون منه واحداً عذباً نقيَّاً: (يسقى بماء واحد) ، ليفارقوا أهل الضلالة ويستقوا المنهج من غيرهم، لأنَّ مفارقتهم منهج لأهل السنة والجماعة، وليست من إنشاءات بعض المتشدِّدين كما يزعمه بعضهم، ويكفينا أنَّه - سبحانه وتعالى - يقول في محكم التنزيل لمن يطلب النظر في غير كتاب بدعوى عدم الحَجر الفكري: (أولم يكفهم أنَّا أنزلنا عليك الكتاب يُتلى عليهم) !!
وأمَّا ما يدَّعيه بعضهم من أولي التوجهات الحديثة العصريَّة: بأنَّ ذلك التحفُّظ من باب الحَجر على الأفكار، والاسترقاق الفكري، والإرهاب الثقافي تجاه الناس، وأنَّه لا بأس بأن يستمع من شاء إلى من يشاء، سواء أكان سنِّيَّ المنهج أو نقيضه، بلا توجيه أو رعاية أو تربية أوعناية؛ بزعم أنَّ الحق أبلج ناصع، ومن خلال نصاعة الحق سيتبين للناس أنَّه حق ويأخذون به، لأنَّ الله يقول: (فأمَّا الزبد فيذهب جُفاء وأمَّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) ويقولون: إنَّه ليس من إشكال أن يقلِّب المرء بصره في كلام الناس، ويستمع لجدال المجادلين، ثمَّ يرى من كان كلامه حقاً فيأخذ به.